بعد أربعة عشر قرنا من مولد هذه الدعوة ما يزال مبدأ كفالة الدولة لجميع أفراد شعبها غير تام التطبيق في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، والدولة الشيوعية التي تطبقه تطبقه على حساب كرامة الإنسان، وتستذل الناس بلقمة العيش لكى يخضعوا للسلطان، بينما قرر الإسلام هذا المبدأ منذ أربعة عشر قرنا مع المحافظة التامة على إنسانية الإنسان وكرامته.
ويطول بنا المقام إذا مضينا نعدد المواضع التي سبق به الإسلام كل حتميات التاريخ المزعومة، أو التي تفرد بها التاريخ!
فكيف يفسر لنا التفسير الجاهلى للتاريخ ظهور الإسلام وانتشار الإسلام والمبادئ والقيم التي أقرها الإسلام؟!
هل الوضع المادى والاقتصادى هو الذي غير الناس في الجزيرة العربية والأرض التي فتحها الإسلام، أم إنه العقيدة، وإيمان الناس بالله، وبالحق والعدل الأزليين؟! وهي أشياء ليست في المادة، ولا هي من صنع المادة، إنما هي في عقول الناس وقلوبهم ومشاعرهم!
وكيف تغير " أسلوب التبادل " فلم يعد رقا ولم يعد إقطاعا إنما صار تكافلا وأخوة في المجتمع؟ الأسباب مادية أم لعقيدة ملأت النفوس فبعثت الناس يغيرون أسلوب التبادل ليخضعوه لشريعة الله التي تمنع الظلم وتحكم بالعدل؟!
هل كان وجود الناس هو الذي حدد شعورهم أم إن شعورهم هو الذي حدد أسلوب وجودهم؟!
ماذا يا دعاة التفسير الجاهلى للتاريخ؟!
لقد كان الإسلام وسيظل أمرا ربانيا لا ينطبق عليه أى تفسير يفسر التاريخ البشرى بالقيم الجاهلية الأرضية، مادية كانت أو اقتصادية., ولكنا نأخذ من الإسلام عبرا لدعاة التفسير المادة ودعاة كل تفسير غير التفسير " الإنسانى" للإنسان.
الإسلام أمر ربانى .. نعم
ولكن الدين قاموا بالإسلام بشر ..
ولقد زعم التفسير الجاهلي للتاريخ أن البشر لا يتحركون ولا يتغيرون إلا بسبب تغيرات مادية أو اقتصادية .. وأنهم لا يمكن أن يتحركوا بشئ معنوي: فكرة أو مبدأ أو مبادئ، لأن هذه كلها تأتي لاحقة للتغير المادي و الاقتصادي و منبثقة عنه .. فوجود الاسلام في الأرض بالصورة التي تم بها يعلمنا غير ذلك تماما ..
يعلمنا أن العقيدة: إيمان الناس بالله، ولإيمانهم بالحق و العدل الأزليين، يمكن أن يحدث تغيرات في الأرض أضخم بكثير من أي تغيير حدث نتيجة التغير المادي أو الاقتصادي ..
و يعلمنا أكثر من ذلك أن نوع التغيير الذي تحدثه العقيدة يختلف اختلافا جذريا عن التغير الذي يحدث - لأسباب مادية واقتصادية – بلا عقيدة .. الإسلام نشأة جديدة للإنسان، على أسس من القيم العلى ا والمبادئ الرفيعة، بينما التغيرات الأخرى مجرد تغير جزئى من حالة إلى حالة، لا يغير شيئا جذريا في الإنسان، وقد يؤدى به إلى الانتكاس والدمار .. ويعلمنا قبل ذلك وبعد ذلك أن الإنسان ليس مادة .. ولكنه