" إنسان "! وأن النظام الذي يتعامل معه على أنه إنسان أفضل بكثير وأعلى بكثير، وأكثر فاعلى ة بكثير من النظام الذي يتعامل معه على أنه مادة، أو على أنه حيوان!
التفسير الإسلامى للتاريج
ليس هنا في الحقيقة مجال الحديث المفصل عن التفسير الإسلامى للتاريخ فذلك موضوع يحتاج إلى بحث مستقل تبسط فيه الفكرة، وتؤخذ لها النماذج من التاريخ البشرى في شتى عهوده وشتى أحوال البشر فيه.
ولكنه يحسن بنا ونحن بصدد الحديث عن التفسير الجاهلى للتاريخ عرضا ومناقشة أن نلم على الأقل بالخطوط العريضة للتفسير الإسلامى، لأنه يكاد يكون الوجه المقابل لذلك التفسير في كثير من الأسس التي يقوم عليه ا.
وأحسب أننا ألمحنا إلى بعض هذه الخطوط في أثناء مناقشة التفسير المادى، فالآن نحاول تجميع هذه الخطوط في عرض سريع، وحسبنا في هذا المقام أن نشير إلى الأسس العامة دون تفصيل.
من البديهيات أن التفسير الإسلامى للتاريخ يتعامل مع الإنسان ابتداء على أنه إنسان، لا مادة ولا حيوان. وأن التاريخ هو تاريخ الإنسان. أى أن العنصر الفعال فيه هو الإنسان .. الإنسان بمجوعة لا جانب واحد منه. فقد كتب الإنسان هذا التاريخ بكل جوانبه مجتمعة – سواء في حالات الهدى أو حالات الضلال. كتبه بروحه وجسمه وعقله. وكتبه باقتصادياته واجتماعياته وسياسياته. كتبه بالتعامل مع الكون المادى، ومع الأفكار والقيم، ومع الأحلام والرؤى، ومع الواقع والخيال. كتبه بدوافعه الداخلية وتطلعتاته وطموحاته كما كتبه بالضغوط الواقعة عليه من خارج كيانه! ضغوط الكون المادى والضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية. كتبه بكل ذرة من كيانه. وكل سطر من سطور هذا التاريخ أو إنجاز من إنجازاته فهو صادر من كيان الإنسان كله، وهو أصيل في صدوره عن مجموع هذا الكيان لا عن جانب واحد من هذا الكيان.
يتعامل التفسير الإسلامى مع الإنسان على أنه قبضة من طين الأض ونفخة من روح الله، مترابطين متماسكين متفاعلى ن، يتكون منهما معا كيان موحد.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)﴾ [سورة ص 38/ 71 - 72]
هذا هو تكوين الإنسان: قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، امتزجتا امتزاجا كاملا وترابطتا وتفاعل كل منهما مع الآخر فأصبح من حصيلتهما ذلك الإنسان الذي نعرفه ونتعامل معه في واقع الحياة.
إنه ليس قبضة طين خالصة كما كان قبل النفخة العلوية فيه، وليس روحه خالصة طليقة من قبضة الطين، إنما هو الأمران معا في وحدة مترابطة تختلف في خصائصها اختلافا جذريا عن قبضة الطين الخالصة ونفخة الروح الخالصة، وإن كانت تحمل بين الحين والحين بعض المشابه من هذه وتلك، حين تجنح جنوحا شديدا نحو عالم الجسد أو عالم الروح، ولكنها حتى في تلك الحالات لا تكون مماثلة أبدا لأى من العنصرين منفصلين.