وتترابط، على نحو غير مسبوق من قبل ولا ملحوق من بعد في كل ما كان من دساتير البشرية إلى اليوم.
وفي الوقت الذي كان " الدين " في كثير من بقاع الأرض أو في كل بقاع الأرض يرتبط في نفوس الناس بالخضوع والاستكانة – لا لله وحده المعبود الحق – بل لأوضاع ظالمة في المجتمع ما أنزل الله بها من سلطان، ويرعى الكهنة ورجال الدين هذا الذل وينمونه في نفوس الناس باسم الدين فيخضعونهم للمتجبرين من ذوى السلطان، يجئ هذا الداعية فيقول للناس إن من رضى بالظلم في الدنيا وهو قادر على إزالته أو الخروج من سلطانه فلا مكان له عند الله في الآخرة وله عذاب عظيم، ويصبح أسمهم " ظالمى أنفسهم ": ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أنفسهم قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99)﴾ [سورة النساء 4/ 97 - 99]
وفي الوقت الذي تهان فيه المرأة وتحتقر، يدعو إلى تكريمها ورعايتها ويبرز إنسانيتها.؟
وفي الوقت الذي يسام فيه الرقيق أقسى أنواع المهانة والخسف يدعو لتحرير الرقيق وإحسان معاملته على أساس إنسانى.
وفي الوقت .. وفي الوقت .. وفي الوقت ..
ثم ليفسروا لنا كيف استطاع هذا الرجل أن يربى على هذه المبادئ أمة .. أمة كانت مجموعة من القبائل المتناثرة المتناحرة تأبى أن تتحد وتتألف مع وجود كل العناصر التي تدعو إلى التألف .. وحدة الأرض، ووحدة اللغة، ووحدة العقائد، ووحد الثقافة، ووحدة التاريخ، ووحدة الجنس .. ومع ذلك تحول بين توحدهم ثارات الجاهلية ونزاعاتها التافهة التي لا تساوى لحظة واحدة من الصراع! ومن هذه الشتيت المتناثرة لا يبنى هذا الرجل أمة – أى أمة – وإنما أمة فريدة في التاريخ، أمة عقيدة .. أمة لا تقوم على رابطة الأرض، ولا رابطة الدم، ولا رابطة اللغة ولا رابطة المصالحة القريبة، إنما تقوم على رابطة العقيدة، فيجتمع فيها العربى القرشى، والحبشى والرومى والفارسى، على قاعدة واحدة من المساواة في الإنسانية والمساواة في العقيدة، ويكون التمايز بينهم على قاعدة جديدة كل الجدة على تلك البيئة بل على البشرية كلها يومئذ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات 49/ 13]
أمة تقوم على الأخوة في الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات 49/ 10]
أمة تقوم على التكافل: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ على أنفسهم وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر 59/ 9]
أمة تقوم على العدل الربانى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء 4/ 58]
باختصار .. أمة فريدة في التاريخ ..