ونحن نتحدى التفسير الجاهلى للتاريخ أن يفسر لنا هذه الظاهرة التي شغلت هذه الرقعة الفسيحة من الأرض، وهذه الرقعة الفسيحة من التاريخ، وكانت واقعا مشهودا استمر وجوده عاملا في الأرض أكثر من عشرة قرون، ومازال قائما حتى اليوم، ومازال قادرا على أن ينبعث من جديد بعد أن اعترضته فترة من الخمود.
لماذا ظهر الإسلام في تلك الفترة من التاريخ البشرى، وكيف ظهر على هذه الصورة المخالفة للبيئة في أكثر سماتها، والمخالفة لكل حتميات التاريخ المزعومة؟!
أما نحن فنؤمن أنه من عند الله وأنه نزل بقدر الله، في الوقت الذي اختاره الله ..
وأما هم فإنهم لا يؤمنون بالله .. فليفسروا لنا إذن هذه الظاهرة العجيبة في التاريخ!
فليفسروا لنا كيف ظهر رجل في تلك الصحراء في تلك الحقبة السحيقة من الزمن قبل أربعة عشر قرنا يدعو إلى عبادة الله الواحد بلا شريك، ونبذ الأرباب الزائفة كلها، سواء كانت أصناما محسوسة، أو بشرا تضفي عليه م القداسة الزائفة فتسجد لهم الناس كالملوك والأباطرة، أو بشرا يشرعون للناس من عند أنفسهم بغير سلطان منزل من عند الله، أو عرفا جاهليا، أو وهما تبتدعه رؤوس الناس وتتعبده بالوهم، ويحرر البشرية بذلك – في نصاعة وحسم – من حكم الطواغيت، ومن كل عبودية ملة لكرامة الإنسان، برد العبودية إلى المعبود الحق الذي يكرم البشر بعبادته، وتتحرر عقولهم ووجدانهم ومشاعرهم كما يتحرر كيانهم كله، فينطلقون أحرارا في الأرض ينشرون الحق والعدل ويحطمون الطواغيت المستبدة بالبشر في صورة نظم ودول وجيوش، ويقيمون مجتمعا إنسانيا يتمتع المؤمنون فيه بالأخوة الإنسانية على قدم المساواة، ويتمتع غير المؤمنين بهذا الدين بالعدل الربانى دون إكراه على اعتناق العقيدة.
وفي الوقت الذي كانت الديانات كلها – سواء كانت سمأوى ة محرفة أو وثنيات من صنع البشر - تقيم بين البشر وربهم وسطاء من الكهنة و " رجال الدين " أو من الأصنام والأوثان، أو من الأرواح الخيرة أو الشريرة .. يجئ هذا الداعية فيلغى كل وساطة بين العبد والرب، ويربط القلب البشرى بالله مباشرة بلا وسيط:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر 40/ 60]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [سورة البقرة 2/ 186]
وفي الوقت الذي يتجبر فيه الأغنياء على الفقر في كل الأرض يجيئ هذا الداعية فيلغى سلطان الأغنياء المتجبرين، لا على اساس الحقد الطبى، ولكن على أساس الحق والعدل الأزليين، فلا يزيل " طبقة " ويحل محلها " طبقة ". ولا يعطى السلطان للفقراء بوصفهم فقراء، بل ينزع السلطان من البشر جميعا، أغنيائهم وفقرائهم على السواء ويرده إلى الله، ويقدم شريعة يخضع لها الناس جميعا حكاما ومحكومين، ليست من صوغ هؤلاء ولا هؤلاء، شريعة تتعامل مع "لإنسان" من حيث هو إنسان، فتلبى جميع احتى اجه الروحية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية، وترسم له المنهج المتكامل الذي تستقيم به الحياة وتتوازن