الجاهلية يمكن أن يجدوا فيها أداة إلى السيطرة على النحو الذي تم في الرأسمالية الغربية اليهود ية، ولم يكن ذلك ليحدث – بهذه الآلة ذاتها – لو أن شريعة الله كانت هي الحاكمة في حياة الناس، إنما كان الوضع الفكرى والروحى النائى من اعتناق الناس للعقيدة الصحيحة وتحاكمهم إلى الشريعة الصحيحة يحدث – بتلك الآلة ذاتها – وضعا ماديا واقتصاديا مختلفا عن الوضع الرأسمالي. على الأقل بالقدر الذي استطاعت به العقيدة الشيوعية والفكر الشيوعى أن يحدث – بالألة نفسها – وضعا ماديا واقتصاديا مغايرا للوضع الرأسمالي!! ولا عبرة بالقول إن الشيوعية لم تنشأ إلا من تناقضات الرأسمالية، فأن الذي حدث بالفعل هو ا، تطبيق الشيوعية في روسيا لم ينشأ من تناقضات الرأسمالية هناك، إنما نشأ – بصرف النظر عن التخطيط اليهود ى – من اعتناق " الناس للعقيدة الشيوعية، ذلك أن روسيا قد قفزت رأسا من الإقطاع إلى الشيوعية!
كلا! ليست هي الحتمية المادية وإنما هو " الإنسان "! الإنسان بكاملة ..
وصحيح كما أسلفنا أن الإنسان يواجه دائما ضغوطا من الكون المادى ومن الأوضاع المحيطة به، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية. . الخ ولكنه في النهاية هو الذي يقرر. يقرر أن يخضع للضغوط ويستنيم لها أو يتمرد عليه ا ويسعى إلى تغييرها، وهو يقرر ذلك دائما عليه دى " العقيدة " التي يعتقدها سواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة.
وقد لا يستطيع في كل حالة أن يغير كل الأوضاع بالعقيدة التي يعتقدها ولكن ذلك لا يرجع إلى كون العقيدة لا وزن لها ولا اعتبار , ولا إلى كونها هي نابعة من الوضع المادى والاقتصادى القائم، متأثرة به غير مؤثرة فيه، لا حقة له غير سابقة عليه كما يزعم التفسير المادى للتاريخ، إنما الأسباب ترجع في مجموعها إلى " الإنسان " ذاته هل هو صادق في اعتناق هذه العقيدة؟ أم أن شهوات الأرض وثقلة الأرض أثقل في حسه من متطلبات العقيدة؟ ومن الشهوات شهوة الحرص على الحياة وعدم تعريض النفس للأخطار، وشهوة حب السلامة والأمن والاستقرار. وهي الشهوات الغالبة على أكثر الناس في الأرض. وهي التي تؤدى بهم إلى الوقوع في الجاهلية، والخضوع – من ثم – لطغيان الطواغيت.
فخضوع الأكثرية الساحقة من الناس لطغيان الطواغيت خلال التاريخ البشري ليس حتمية مادية ولا اقتصادية ولا تاريخية خارجة عن إرادة الناس .. إنما هو من عند أنفسهم، إنه واقع عاشته البشرية بالفعل في جاهليتها كلها، لا بسبب حتمى، ولكن نتيجة لعدم استقامتها على الطريق.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عليه مْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عليه مْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾ [سورة الأعراف 7/ 96]
على أن الحتميات المزعومة – بصورتها الديالكتيكية – ليست حقيقة حتى بالنسبة للجاهلية.