تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شخصه إلى أشخاص غيره من الحمير، أو تتجاوز لحظته الحاضرة إلى الغد القريب أو البعيد.

ولكن الإنسان – بخصائصه المتفردة – لم يكن كذلك منذ مولده، إنما كانت له دائما " تجربة " واعية يختزنها في كيانه فردا وجماعة يجعلها نقطة ارتكاز ينطلق منها إلى التجربة التإلى ة .. وكانت له دائما ذكريات فردية واجتماعية، وآمال وتطلعات، فردية واجتماعية كذلك، ترسم له – إلى جانب الشهوات والضرورات المركوزة في كيانه – خط رحلته في هذه الأرض.

ومجمل تاريخه هو مجمل ذلك كله.

وحين يخترع آلة جديدة فهذا الاختراع نابع من صميم نفسه .. من تجاربه الواعية، ومن ذكرياته وآماله وتطلعاته .. إنه لا ينشئها عبثا، ولا تنشأ هي في حياته بطريقة ذاتيه، إنما يخترعها لتلبى رغبة من رغباته الكامنة، لأداء ضرورة من ضرورات حياته، أو لتحسين وضع من أوضاعه، أو لتحقيق أمر من " الكماليات " بالنسبة له في تلك اللحظة، يتحول إلى ضرورة بعد فترة من الوقت، فيسعى من جديد إلى تحسينه أو البحث عن كمالي ات جديدة ..

وصحيح أن الآلة الجديدة تحدث تغيرا في حياته، قد لا يكون منظورا كله وقت التفكير في اختراعها، أو لا يكون شئ منه منظور على الإطلاق .. ولكن هنا ينبغى أن نتذكر أمرين مهمين:

الأول: إن الإلة قد اخترعت في الأصل تلبية لحاجة في نفس الإنسان يسعى إلى تحقيقها، ولم تظهر إلى الوجود من تلقاء نفسها، ولا اختراعها الإنسان عبثا بغير غاية، ولا فرضت عليه فرضا من خارج كيانه.

الثانى: أن التغير الذي تحدثه الآلة لا يجرى على مزاج الآلة ذاتها ـ فهي في ذاتها لا إرادة لها ولا وعى ولا توجيه، لأنها " مادة " والمادة هكذا .. لا إرادة لها ولا وعى ولا توجيه! إنما يجرى التغيير – جزئيا على الأقل – على مزاج " الإنسان " وحسب الوضع الذي يعيش فيه. ولا نقصد الوضع الاقتصادى وحده – كما يقول التفسير المادى للتاريخ – إنما الوضع كله: الروحى والفكرى والمادى على السواء. فاختراع المحراث الحديدى أدى إلى الإقطاع في أوربا، لا لأن المحراث الحديدى يؤدى – بطبيعته – إلى الإقطاع، ولكن لأن ظهوره في الجاهلية القائمة يومئذ يمكن أن يؤدى إلى ذلك، بمعنى أن أطماع ذوى السلطان من الجاهليين يومئذ تجد في المحراث أداة تمكنها من السيطرة بالصورة التي وقعت في الإقطاع الأوربى. ولم يكن ذلك ليحدث – بهذه الآلة ذاتها – لو أن القوم هناك كانوا يحتكمون إلى شريعة الله، إنما كان الوضع الفكرى والروحى الناشئ من اعتناق العقيدة الصحيحة والتحاكم إلى الشريعة الصحيحة يحدث – بهذه الآلة ذاتها – وضعا ماديا واقتصاديا مختلفا عما وقع في الجاهلية القرون الوسطى المظلمة في أوربا. والآلة التي تدار بالطاقة أدت إلى ظهور الرأسمالية في أوربا، لا لأن تلك الآلة – بطبيعتها – تؤدى إلى الرأسمالية! فهي في روسيا لم تؤد إلى الرأسمالية! ومعلوم أن التصنيع الحقيقى لم يتم في روسيا إلا بعد دخولها في الشيوعية! ولكن لأن ظهورها في ذلك الوقت – في الجاهلية القائمة وقتئذ – يمكن أن يؤدى إلى ذلك، بمعنى أن ذوى السلطان في تلك

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥٤٠