تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خارج كيانه، ومستقلة عن إرادته، لا يملك أن يقف فيها موقوفا يخالف ما تفرضه الحتميات، حتى مشاعره لا يملكها! إنما يكونها له الوضع الاقتصادى إلى غير إرادة منه: " ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ولكن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم " (ماركس) " إن الأسباب النهائية لكافة التغيرات او التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، إنما في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل " (إنجلز).

وحتى التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل لا تنسب إلى " الإنسان "! كأنما تحدث تلقائيا بغير فاعل!! وكأنما عقل الإنسان ومشاعره ليست – على الأقل – جزءا من عوامل التغيير!

ما الإنسان إذن؟

إنه مجرد " أداة " في يد جبارة ماردة هي الحتميات!

ليس الإنسان هو الذي يصنع التاريخ، ولكن التاريخ " بحتمياته " هو الذي يصنع الإنسان!

ألا ما أبأس الإنسان في ظل التفسير المادى للتاريخ! وما أهون شأنه! وما أهون دوره كذلك! دور الاستسلام الكامل للحتميات التي تصنع له حياته وتصنع له تاريخه " مستقلة عن إرادته "!

وماذا يساوى – مع الجبروت القاهر لهذه الحتميات التي لا تستجيب لشفاغة ولا تحفل ضراعة – أن يكتب في سطر من سطور هذا التفسير أن الإنسان هو سيد هذا الكون، إذا كان كل سطر من سطور هذا التفسير يجعله عبدا ذليلا خاضعا لذلك الجبار الذي لا يلتفت مرة واحدة لهذا الإنسان، ولا يعيره اهتمامه، ولا يرحم ضعفه، ولا يقيله من عثرته؟!

ثم .. " من " الذي يصنع التغيير في حياة الإنسان؟! و " ما " الذي يصنعه؟! وكيف صار للإنسان تاريخ؟!

يقولون: هي المادة وقوانين المادة ..

وما بنا من حاجة أن نعود من حاجة أن نعود إلى السؤال الذي سألناه من قبل: ما بال المادة وقوانينها لا تصنع هذا التغيير في حياة الحيوان! إنما نقول إن خصائص " الإنسان " التي تفرد بها هي التي تصنع تاريخه، وتصنع التغيرات في هذا التاريخ، فلولا رغبة الإنسان في المعرفة – تلك الرغبة المركزوة في أعماق كيانه – ولولا رغبته في استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحواله المعيشية في شتى جوانبها، المادى منها وغير المادى، ولولا قدرته على تخيل صورة معينة لأشياء لم توجد بعد في عالم الواقع، وبذل الجهد في محاولة إيجادها في الواقع ..

لولا هذه " الخصائص " التي تفرد بها الإنسان، هل كان يمكن أن يكون للإنسان تاريخ؟!

إن الحيوان ليس له تاريخ .. ولن يكون له ..

فالحمار الذي عاش قبل عشرة آلاف سنة هو الحمار الذي يعيش اليوم .. لم يغير شيئا من واقع حياته، ولا يملك أن يغير. . ليس له ماضى يرجع إلى تجاربه، ولا مستقبل يسعى إلى تحقيقه، ليس له " ذكريات " ولا " آمال " لا " تطلعات " تتجاوز

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥٣٩