ولا هذا ولا ذاك حقيقة علمية، إنما هي الأهواء والشهوات.
﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [سورة المؤمنون 23/ 71]
6) الحتميات:
يقوم التفسير المادى على الحتميات: المادية أى المستمدة من قوانين المادة الحتمية، والاقتصادية المستمدة من الوضع الاقتصادى، والتاريخية المستمدة من المرحلة التاريخية التي يوجد فيها الإنسان من المراحل الخمس الكبرى: الشيوعية الأولى أو الرق أو الإقطاع أو الرأسمالية أو الشيوعية الثانية.
والحتميات الثلاث على أى حال مؤد بعضها إلى بعض بحيث نستطيع أن نتعامل معها كأنها حتمية واحدة: مادية اقتصادية تاريخية، فإنها كلها أوجه لشئ واحد، وكل حدث من أحداث التاريخ واقع – لا محالة – تحت ظل الحتميات الثلاث.
ولسنا هنا بصدد مناقشة علمية لهذه الحتميات، فسنرى فيما يلى من الحديث أنها ليست حتميات بحال من الأحول! وما يكذبه الواقع لا يحتاج أن ندخل معه في نقاش، لأن صوت الواقع أصدق من النظريات والفروض.
ولكنا نلفت النظر إلى قضية معينة فيما يتعلق بالحتميات، هي قضية " الإنسان " .. أين مكانه في هذه الحتميات؟ موجودا فما دوره إذا كان كل شئ يتم بمقتضى الحتميات المادية والاقتصادية والتاريخية؟
يقول ماركس: " في الإنتاج الاحتماعى الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم " فإذا كانت مستقلة عن إرادة جميع الناس فمن إذن واضعها؟ وأى مقياس تقام به لنقول إنها خطأ أو صواب؟ وما مسئولية الإنسان الأخلاقية فيها لنقول إن هذا الإنسان خير وذاك شر ير؟ أم لا خير ولا شرير وكلهم سواء؟!
إن قضية الحتميات خطيرة في الواقع أخطر مما تبدو للوهلة الأولى، لأنها تعنى الإلغاء الكامل لكيان الإنسان الإيجابى ذى الإرادى وذى الفاعلى ة، وإلغاء القيم الأخلاقية كلها، وإلغاء المسئولية أو " الأمانة " التي يحملها الإنسان.
مادام كل شئ مرصودا مكانه على خط سير التاريخ البشرى فما قيمة العمل الإنسانى؟ ما الفرق بين أن يعمل أو لا يعمل؟ وما الفرق بين عمل وعمل؟ وما قيمة الوجود الإنسانى في التاريخ البشرى إذا كان الإنسان بهذه السلبية، يصنع الأشياء بينما هي مستقلة عن إرادته، كلعبة " خيال الظل " التي تتحرك فيها الدمى أما عين الناظر بينما هي في الحقيقة غير متحركة بذاتها، إنما تحركها اليد التي تختفي وراء الستار!
وليس بنا أن نلغى أثر الضغوط التي تقع على الإنسان من خارج كيانة وتؤثر في حركته، سواء كانت ضغوط المادى بمعنى الكون المادى على اتساعه وبمعنى البيئة المحيطة بالإنسان، أو ضغوط الأوضاع الاقتصادية، أو ضعوط المجتمع .. أو أى نوع من الضغوط يقع خارج كيان الإنسان الفرد، ويؤثر فيه على غير رغبته.
ليس بنا أن ننكر شيئا من ذلك كله. . ولكن هذا ليس ما يقوله التفسير المادى للتاريخ في قضية الحتميات .. إنما يقول ذلك التفسير إن كل حياة الإنسان مرسومة له من