ركوب الجمل والحمار، وناطحة السحاب أرقى من الخيمة والكوخ. و " الفستان " الأنيق المطرز أرقى من قطعة الجلد التي كانت تلبسها امرأة الغابة، والمكتب الفاخر أرقى من جلسة الكاتب القديم الذي كان يجلس القرفصاء ويسند الورق إلى ركبتيه!
أما إذا جعلنا مقياسنا " إنسانية " الإنسان، أى القيم والاعتبارات التي ميزت بين الإنسان والمادة وبين الإنسان والحيوان، فالأمر يختلف اختلافا بينا، والصورة لن تكون تقدما مستمرا، ولكن تذبذبا مستمرا بين الصعود والهبوط، وأسوأ ذبذباتها الهابطة هو الجاهلية المعاصرة في كل أرجاء الأرض.
إن فكرة التطور المستمر إلى أعليه ي فكرة داروينية ولا شك، وقد تأثر الماديون تأثر بالغا بالداروينية في أكثر من موضع من تصوراتهم ونظرياتهم، ولكن دارون كان يتحدث عن أجسام الكائنات الحية ووظائفها الحيوية، ولم يتحدث عن شئ غير ذلك. أما الماديون فقد أمسكوا بخيوط من الداروينية فمدوها مدا واسعا لتخدم أغراضهم الخاصة، وزعموا أنها صحيحة لمجرد كون الأساس الذي بنوا عليه – وهو التطور – صحيح!
وبصرف النظر عن صحة الداروينية أو عدم صحتها، فالإنسان – منذ نشأته – له مقاييسه الخاصة التي يختلف فيها عن الكائنات من حوله. ولقد مرت بنا شهادة الداروينية الحديثة بشأن تفرد الإنسان في كل جوانب تكوينه وجوانب حياته، ومن بين جوانبه تفرده أنه متفرد كذلك في معاييره، فلا تنطبق عليه معايير المادة الجامدة ولا معايير النبات ولا معايير الحيوان.
ومعيار الإنسان – الذي تفرد به بين المخلوقات – أن له طريقين: طريق الهدى وطريق الضلال، وأنه صاعد إذا سار في طريق الهدى وهابط إذا سار في طريق الضلال، لأن طريق الهدى هو الذي يؤكد على "القيم الإنسانية " التي جعلت الإنسان إنسانا من مبدأ حياته، وطريق الضلال هو الذي يجانب تلك القيم ويضيعها.
وخط التاريخ البشرى – كما هو معلوم من التاريخ – خط متذبذب على الدوام بين طريق الهدى وطريق الضلال، ولذلك فهو متذبذب على الدوام بين الصعود والهبوط، بين الرفعة والانتكاس، وليس خطا صاعدا على الدوام متقدما على الدوام كخط التقدم العلمى والتكنولوجى، وليست المسألة أن هذه وجهة نظر وتلك وجهة نظر أخرى على مستوى واحد من احتمال الصحة والخطأ! فإن مادية الإنسان لا يوجد عليه ا دليل علمى واحد، بينما توجد عشران الأدلة ومئاتها على إنسانية الإنسان، ومن ثم يتضح طريق الخطأ وطريق الصواب!
إنما أراد الماديون أن يثبتوا التطور المستمر " التقدمى " في حياة الإنسان لسببين رئيسيين:
الأول: أن يقولوا إن الفساد الخلقى والتحلل الدينى الذي وجد في المجتمع الصناعى كان خطوة " تقدمية ".
والثانى: إن يقولوا إن الشيوعية خطوة تقدمية.
فمن أراد أن يكون " تقدميا " فلينبذ بادئ ذى بدء دينه وأخلاقه، ثم ليكن شيوعيا في نهاية المطاف!