فلو أن التفسير المادى للتاريخ حدد التقدم بميدان العلم والتكنولوجيا لكان هذا معقولا وصحيحا بصفة عامة .. وإن كان اعتبارنا لصحته قائما على أساس آخر غير الذي يقيم عليه التفسير المادى تصوراته.
فالتفسير المادى كما شاهدناه يجعل المادى هي الأساس .. ونحن نقول إن النفس البشرية هي الأساس في كل ما يتعلق بالإنسان، وإن تعامل الإنسان مع المادة، وكل ما ينشأ عنه من نتائج هو جانب – وأحد – من جوانب النفس الإنسانية والحياة الإنسانية.
والتقدم العلمى والتكنولوجى المستمر في حياة الإنسان ليس قائما على المادة، إنما هو قائم على تفاعل الإنسان مع الكون المادى من حوله. فلولا أن في الإنسان نزعة فطرية إلى المعرفة، ونزعة فطرية إلى استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحواله المعيشية، ما حدث التقدم العلمى ولا التكنولوجى رغم وجود المادة الدائم من حول الإنسان!
وإذا كانت المادة موجودة حول كل الكائنات الحية ومع ذلك لا تثير فيها الرغبة في المعرفة العلمية المنظمة ولا الرغبة في استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحوالها المعيشية .. إلا الإنسان .. فهل يكمن الفرق في المادة أم في الإنسان؟!
تلك بديهية يعمى عنها التفسير المادى للتاريخ، لا لأنه عمى عنها في الحقيقة، لكن لأنها تفتح الباب لا يحبون له أن ينفتح أبدا، وهو " إنسانية " الإنسان، لأن هذا الباب يمكن أن يؤدى إلى تثبيت " القيم " التي يرى دون تحطيمها: الدين والأخلاق والتقاليد المستمدة من الدين، بوصفها صادرة عن الفطرة الإنسانية أو متمشية معها!
سدا لهذا الباب يقولون إن المادة هي الأصل – لا الإنسان – لأنك لا تستطيع أن تحاسب المادة على شئ من القيم أو تطالبها بشئ منها! وهو قول – كما أسلفنا – لا يمكن فهمه على أساس – العلم " إنما يفهم فقط حين تخرجه من الدائرة العلمية وتنظر إلى ه من زاوية الهدف المطلوب تحقيقه!
فحين نسلم بالتقدم المستمر في ميدان العلم النظرى والتطبيقى (مع التغاضى عن وجود ذبذبات في خط التقدم) فإننا نسلم به على أساس أنه نابع من عوامل موجودة في فطرة الإنسان وتكوينه، أودعها فيه الخالق ليعينه في مهمة الخلافة في الأرض:
﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [سورة هود 11/ 61]
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ [سورة العلق 96/ 4 - 5]
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة 2/ 31]
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾ [سورة النحل 16/ 78]
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية 45/ 13]
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [سورة إبراهيم 14/ 34]
أما افتراض التقدم في كل جوانب الحياة فقول ينقضه الواقع.
" والقضية كلها راجعة إلى أصل المقياس. فإذا أخذنا الحياة المادية – أو بالأحرى التفسير المادى للإنسان – جاز أن نقول ذلك، فالسيارة لا شك أسرع وأرقى من