وفي كل مرة من المرات الثلاث كان يثور صراع طبقى بين الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة يؤدى إلى تغير مستمر في الأوضاع، فالصراع الأول حرر عبيد السيد وحولهم إلى عبيد للأرض أو اقنان، والصراع الثانى حرر عبيد الأرض وحولهم إلى عمال صناعيين، وأما الصراع الثالث فقد أدى إلى الشيوعية وفي الشيوعية تقول النظرية إن طبقة البروليتاريا " أى الطبقة الكادحة هي التي تملك وتحكم، وتبيد الطبقات الأخرى جميعا فينتهي الصراع الطبقى بإبادة الأطراف التي يمكن أن تصارع البروليتاريا في أى وقت من الأوقات.
في النظام الربانى لا يوجد شئ من هذا كله!
حقيقة إنه توجد ملكية فردية ويوجد في المجتمع أغنياء وفقراء .. ولكن لا الإنياء طبقة ولا الفقراء طبقة، ولا هؤلاء ولا هؤلاء يحكمون!
فالثروة في المجتمع الإسلامى دائمة التنقل من جيل إلى جيل بحيث لا تكون " طبقة " ائمة من أفراد معينين أو أسر معينة تتوارث وضعا اجتماعيا معينا. فأى فقير يمكن أن يتحول إلى غنى، وأى غنى يمكن أن يتحول إلى فقير، فلا يحجزه شئ عن أن يكون هذا أو ذاك، بحسب تصرفه الشخصى من ناحية، وبسبب حركة المواريث التي تفتت الثروة من مكان وتجمعها في مكان آخر.
ثم إن أى إنسان قد يتسلم السلطة، ولكنه حين يتسلمها لا يحكم بهواه، إنما يحكم بشريعة الله، وهذه تقوم على أن إنسانية مستمدة من كونه إنسانا، لا من كونه غنيا أو فقيرا أو مالكا أو غير مالك، ثم إنها تطبق على الجميع بصورة واحدة.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم محذرا الأمة الإسلامية: " إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها
وقد يقع الظلم كما قلنا من قبل من سوء التطبيق لشريعة الله، ومن جور الحكام الذين يحكمون في بعض الأمور بغير ما أنزل الله، ولكن يظل الظلم الواقع على مجموع الأمة أقل بكثير مما يقع على الأمة التي لا تحكم بما أنزل الله، ثم يظل من واجب الأمة المسلمة أن تقاوم الظلم وترد الظالم إلى الصواب، وإلا فهي أثمة في حق الله كما أنها آثمة في حق نفسها.
وحين يشتد الظلم فيثور المسلمون – وقد حدث هذا أكثر من مرة في التاريخ الإسلامى – فهو ليس صراعا " طبقيا " بالمعنى الذي يشير إلى ه التفسير المادى للتاريخ، لأنه لا يوجد طبقة تريد الإطاحة بطبقة أخرى لتأخذ مكانها في السلطة والتشريع. إنما يطالب الثائرون بالعدل، أى بتطبيق شريعة الله في المواضع التي خولفت فيها شريعة الله. وما أبعد هذا عن الصراع الطبقى كما يفهمه التفسير المادى للتاريخ!
إنما يوجد الصراع في النظام الربانى على أسس مختلفة تماما عن الصراع الطبقى الذي هو محور الحياة في الجاهلية (إن صدقنا التفسير المادى للتاريخ في إرجاعه كل الصراعات في الأرض إلى الصراع الطبقى، وسنرى الآن أن هذا غير صحيح).
الصراع الذي أمر الله المؤمنين بخوضه هو هذا الصراع: