ويغنينا هذا عن مزيد من الجدل النظرى الذي لا يصل – مع الماديين – إلى نتيجة!
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)﴾ [سورة الأعراف 7/ 146]
يقيم الماديون تفسيرهم للحياة البشرية على أساس أن الصراع الطبقى هو قوام هذه الحياة منذ خرج الناس من الشيوعية الأولى حتى يعودا إلى الشيوعية الثانية، وأن هذا الصراع الطبقى متعلق بالملكية الفردية فلا يزول من الأرض حتى تزال الملكية الفردية .. وبمجرد أن تزول الملكية الفردية يرجع الناس إلى الحياة الملائكية التي كانوا عليه ا أيام الشيوعية الأولى وتستريح البشرية من الصراع ..
وكما قلنا مع الملكية الفردية نقول مع الصراع الطبقى ..
صحيح ما يقولون .. ولكنها صحة محددة بنطاق معين، وليست صحة مطلقة ..
صحيح بالنسبة للجاهليات .. ففي الجاهليات يصدق القول بأن الذي يملك هو الذي يحكم، وحين يحكم يشرع لصالح نفسه وصالح طبقته على حساب بقية الطبقات .. ومن ثم ينشأ صراع بين الطبقات، ويدور الصراع حول متاع الأرض، لأن الجاهلية مفتونة أبدا بمتاع الأرض، ولأنه في غياب القيم العلى ا لا يبقى للناس إلا متاع الأرض يتصارعون حوله ويتقاتلون عليه.
أما في النظام الربانى فليست هناك – بادئ ذى بدء – طبقات! ومن ثم فلا يوجد صراع طبقى!
ومن كان في شك من هذه الحقيقة فليرجع إلى تعريف " الطبقة " وتعريف " الصراع الطبقى " عند الماديين أو عند غيرهم سواء.
الطبقة مجموعة من الناس يجمع بينهم وضع اقتصادى معين، ومن ثم تجمع بينهم مصالح اقتصادية معينة، ويشملهم وضع تشريعى معين، فهم إما الطبقة التي تملك، ومن ثم فهي التي تحكم، وإما الطبقة التي لا تملك ومن ثم فهي لا تحكم، وإنما يقع الحكم عليه ا.
وبيان ذلك من عهود الرق والإقطاع والرأسمالية كالآتى:
في عهد الرق كان الناس طبقتين رئيسيتين: طبقة السادة وطبقة العبيد. السادة يملكون كل شئ، ويملكون جميع الامتيازات، والعبيد من بين " الأشياء " التي يملكها السادة، لا حقوق لهم، والسيد يتصرف فيهم كما يشاء.
وفي عهد الإقطاع في أوروبا كان الناس ثلاث طبقات رئيسية: طبقة الإشراف (أمراء الإقطاع) وطبقة رجال الدين وطبقة الشعب. وكان الأشراف ورجال الدين متحالفين كأنهما طبقة واحدة، وكانا يملكان ويحكمان كل دائرته واختصاصه، والشعب لا يملك ولا يحكم، وإنما يقع عليه عبء الطبقتين السالفتين جميعا.
وفي عهد الرأسمالية انقسم الناس إلى طبقتين رئيسيتين: طبقة أصحاب رؤوس الأموال وطبقة العمال. وفي ظاهر الأمر – من خلال مسرحية الديمقراطية والتمثيل النيابى – يبدو أن الشعب – الذي لا يملك – صاحب سلطان ولكن الحقيقة المستترة وراء المسرحية أن الحاكم الحقيقى هو المالك الحقيقى، أى أن الطبقة الرأسمالية هي التي تحكم وطبقة العمال هي التي يقع عليه ا الحكم.