فإذا كان الماديون لا يؤمنون بهذا الحديث كله ويشمئزون من ذكره، فإننا نقول لهم أخيرا إن نزعة الملكية الفردية يمكن أن تقهر قهرا كاملا كما حدث في ظل الشيوعية. ولكن هذا أيضا لا يزيلها من منبتها! والدليل على ذلك شيئان حدث في التطبيق الشيوعى ذاته يهدمان النظرية من أساسها، ويؤكدان أن الملكية الفردية نزعة فطرية أصيلة في النفس البشرية.
الشئ الأول هو تراجع الشيوعيين – في التطبيق – عن مبدأ الإلغاء الصارم البات لكل نوع من أنواع الملكية الفردية، الذي بدأوا به حياتهم التطبيقية، ولجوءهم إلى تمليك الأشياء الشخصية، وسماحهم بالعمل الإضافي – بعد أداء وحدة العمل الإجبارية – لمن أراد أن يعمل، في مقابل أجر إضافي يمكن أن تشترى به أشياء يمتلكونها مدى حياتهم.
ولولا أن الشيوعيين وجدوا نزعة الملكية الفردية ذات وجود قاهر – رغم كل القهر البوليسى الذي تمارسه الدولة – ما تراجعوا هذا التراجع تحت أى ضغط من الضغوط، لأنه تراجع عن أصل جذرى من أصول النظرية، يمكن أن يؤثر في النظرية ذاتها على المدى الطويل!
والشئ الثانى هو تناقص الإنتاج الزراعى المتواصل في ظل الملكية الجماعية نتيجة لضعف الحافز إلى العمل!
وقد يسأل سائل: ولماذا حدث ذلك في الإنتاج الزراعى وحده ولم يحدث في الإنتاج الصناعى الذي تقدم تقدما كبيرا في ظل " النظام "؟ ونجيب السائل بأن الإنتاج الصناعى – وخاصة في ظل التكنولوجيا الحديثة – يمكن أن يخضع للرقابة الصارمة، ويمكن أن يحدد فيه العامل المهمل بدقة متناهية، لأن عملية الإنتاج ذاتها توزع العمل توزيعا دقيقا على مجموعة العمال الذين يقومون به، بحيث يقوم كل منهم بعملية واحدة محدودة تتكرر بذاتها مع كل قطعة من قطع الإنتاج، فيمكن – بسهولة – عند مراجعة الإنتاج أن يعرف العامل المقصر حين يقع تقصير. وعندئذ يقدم لمحاكمة عاجلة، بتهمة التخريب والخيانة .. الخ، وقد يحكم عليه بالإعدام، وينفذ فيه الحكم فورا على رؤوس الأشهاد، نكالا لما بين يديها وما خلفها، وإرهابا لمن تحدثه نفسه بالتقاعس والإهمال، أما الإنتاج الزراعى فلا يمكن مراقبته وضبطه بهذه الصورة مهما كانت شدة الرقابة وصرامتها .. ولذك تناقصت الغلة عاما بعد عام، حتى صارت روسيا – التي كانت من قبل من الدول المصدرة للقمح، والتي أضيف إليها أوكرانيا، حقل القمح الخصب في أوروبا – صارت روسيا هذه تستورد القمح من أمريكا بكميات متزايدة!
ولقد زعموا أن هذا ناشئ من الآفات الزراعية!!
ولكن العلاج الذي وضعه خروشوف يكشف عن أن الآفات الزراعية لا علاقة لها بالموضوع! فإن خروشوف لم يأمر بزيادة الأبحاث الخاصة بوقاية الزروع من الآفات، ولكنه أمر بإتاحة الملكية الفردية لقسم من المحصول، وللدار التي يقيم فيها الفلاح! فظهر جليا أن نقص المحاصيل كان راجعا إلى ضعف الحافز على الإنتاج نتيجة مقاومة الحافز الفردى وقهره، وأن العلاج هو الاعتراف – لو جزئيا – لهذا الدافع بحق الوجود!