ويرفضون أن يتلقوا التشريع من عند أحد غير الله، فعندئذ يكونون قائمين بمقضتى عبوديتهم لله الحق، فيصيبهم جزاء ذلك بركة في حياتهم في الدنيا ورضوانا من الله في الآخرة.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عليه مْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف 7/ 96]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إليهم مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة 5/ 65 - 66]
ومن البركات التي تصيبهم في الدنيا نجاتهم من أن يكونوا عبيد للأرباب الزائفة في الأرض، وشعورهم بالعزة الحقيقية التي يستمدونها من الاستعلاء بالإيمان، فلا تذل تفوسهم لطغاة الأرض، ولا يسمحون لأحد أن يجعل من نفسه ربا يشرع بغير ما أنزل الله، لأنهم يستمدون العزة والقوة ممن هو أكبر منهم وأعلى .. الله أكبر.
ومن البركات كذلك الرخاء الذي يسبغه الله على الأ {ض المؤمنة من خيرات السماء التي يفيضها عليه م، ومن تكافل الأمة المؤمنة فيما بينها، فلا يستمتع فريق بالخيرات وحده ويظل فريق في الحرمان.
وعندئذ توجد الملكية الفردية ولا يوجد معها الظلم والشر الذي يصاحبها في الجاهلية. لأن الذي يملك هنا لا يحكم! أى لا يضع تشريعات من عنده يصوغها لمصلحته على حساب الأخرى ن .. إنما تكون الحاكمية لله، هو الذي يحل ويحرم وهو الذي يضع التشريعات التي يخضع لها الحاكم والمحكوم سواء، والتي يتوفر فيها العدل الحقيقى لأنها منزلة من عند رب الجميع الذي لا يحابى أحدا من البشر على حساب أحد.
وقد تقع المظالم في ظل المنهج الربانى من سوء التطبيق لما أنزل الله، ومن جور الحكام الذي يحدث من عصيانهم لله، وحكمهم في بعض القضايا بغير ما أنزل الله، وإن كانوا لا يضعون تشريعات من عند أنفسهم تخالف ما أنزل الله، ولا يجعلون مخالفتهم تشريعا يلزمون به الناس، وإلا لكفروا بذلك كفرا صريحا وخرجوا من ملة الإسلام. وعندئذ نلحظ أمرين هامين: الأول: أن حجم الظلم الذي يقع على مجموع الأمة أقل بكثير من الظلم الذي يقع في الجاهليات التي لاتحكم بما أنزل الله، والثانى: أن الأمة مطالبة بكف هذا الظلم ومنعه من الاستمرار، وإلا فهم أثمون في حق الله، كما أنهم أثمون في حق أنفسهم " ما من نبى بعثه الله في أمة قبلى إلا كان له حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعد ذلك خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل
وهكذا يتبدى لنا أن الشر لاينجم من الملكية الفردية في ذاتها، فيكون العلاج هو بترها من منبتها، إنما ينجم من طبيعة الجاهلية التي لا تحكم بما أنزل الله، فيكون العلاج هو القضاء على الجاهلية وتححكيم شريعة الله ن وعندئذ تبقى الملكية الفردية