يقول خالق هذه النفس سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إليها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ [سورة الروم 30/ 21]
هذا السكن وهذه السكينة عنصر هام في نشأة الأسرة واستمرارها مدى التاريخ البشرى كله، وهو سبب نابع من الفطرة التي تحب هذا السكن وهذه السكينة بصرف النظر عن الدافع الجنسى الذي يمكن أن يتحقق بأية وسيلة.
ولا يتنافي هذا مع كون الأسرة تكون ترابطا اقتصاديا من نوع ما. فليس هناك في النفس البشرية تناقض ولا تنافر بين عناصرها المختلفة، ولا يلزم من وجود أحدها نفي الآخر ولا نبذة كما تقول التفسيرات الضيقة المعتسفة، ولا يلزم من قوة أحدها أن يكون سائرها تابعا له أو نابعا منه كما تقول تلك التفسيرات، إنما توجد كلها – مع قوتها وأصالتها – جنبا إلى جنب، متفاعلا بعضها مع بعض في الكيان البشرى الكبير، الذي كرمه الله بعوامل شتى، وهذا التعدد وهذه السعة هي ذاتها من عوامل التكريم، لأننا لا نجدها – بهذه الصورة – في الكائنات الأدنى من الإنسان.
والأسرة – كما ثبت من التجارب غير المتحيزة – ضرورة لتنشئة الأطفال الأصحاء من الوجهة النفسية. ومهما حاولت المحاضن أن تدعى أنها تقوم مقام الأسرة الطبيعية في هذا الشأن فهي واهمة في ذلك أو مغالطة، فإن في مقدور المحاضن أن تعطى رعاية صحية كاملة " للجسد " وتوجيها عقليا مبنيا على قواعد العلم (أيا كان مبلغ هذا العلم من الصحة) ولكنها لا تستطيع قط أن تعطى الرعاية النفسية المطلوبة للتنشئة الصحيحة للأطفال، بسبب غياب الأم المتخصصة التي يشعر الطفل لملكيتها – وحده – ملكية كاملة "
ولسنا نقول مع ذلك إن الإنسان لجأ إلى تكوين الأسرة لأنه وجد فيها نوعا من التنظيم الاقتصادى أو وجد أنها الطريقة المثلى لتنشئة الأطفال.
إنما نقول إن الله العلى م الخبير الذي يعلم أن الأسرة هي التي تحقق التنشئة السليمة للأطفال حين تتخصص الأم فيها لهذه المهمة الخطيرة، قد جعل الحنين إلى تكوين الأسرة جزءا من الفطرة، تشعر فيها بالسكن والسكينة، وتشعر في خارجها بالقلق وفقدان السكينة ولو حققت كل مطالب الجنس وكل الاكتفاء الاقتصادى! ثم نظم سبحانه وتعالى العلاقات الاقتصادية داخل الأسرة بحيث تكون المرأة مكفولة كاملة دون أن تحتاج إلى العمل خارج البيت، لكى تستطيع التفرغ لمهمتها الأصلية، فكلف الرجل بإعالتها – لا تفضلا ولكن تكليفا – وكلفها هي رعاية شؤون البيت والأطفال، ثم جعل في فطرة كل منهما وتركيبه العصبى والنفسى ميلا لهذا التكليف وقدرة عليه، وشعورا بتحقيق الذات عن طريقه.
ذلك هو الوضع السليم للأسرة كما أنشأها الله.
فأما الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فيكرهون أن يستمعوا لهذا القول ويشمئزون منه بدعوى أنه كلام غير علمى!
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)﴾ [سورة الزمر 39/ 45]