كان سبب ذلك هو " التطور الحتمى " المصاحب لتغير الطور الاقتصادى كما يقول التفسير المادى للتاريخ، أم كان سببه التخطيط الشرير الهادف إلى إفساد البشرية لاستحمارها واستعبادها كما نزعم نحن ..
أما الاستجابة " الطبيعية " فلم تحدث على الإطلاق!
إن رد الفعل الذي حدث من ذلك كله هو انتشار القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والاضطرابات العصبية وإدمان الخمر والمخدرات واتساع نطاق الجريمة وجنوح الأحداث والشذوذ الجنسى.
ومؤتمراتهم وإحصائياتهم هي الشاهد على ذلك ..
ودلالة ذلك واضحة ..
فلو أن النفس البشرية ليس لها كيان محدد ولا صورة ينبغى لها أن تكون عليه ا، ما حدث رد الفعل المرض الذي حدث بالفعل في حياة الناس، ولاستجابت استجابة " طبيعية " للشكل الذي شكلت به، سواء كان الذي حدد الشكل هو التطور الحتمى أو التخطيط الشرير.
إنما هذه الاستجابة المرضية معناها أن الحضارة التي قدمت للناس – تحت أى ظل وأى عنوان – هي حضارة لا تناسب الكيان البشرى السوى، لا تناسب مقومات النفس البشرية الأصيلة، لا تناسب الوضع السليم الذي ينبغى أن يكون عليه الإنسان، لمفارقتها للقيم الإنسانية الصحيحة.
وإذن فهناك قيم معينة، أصيلة وثابتة، ينبغى أن تكون قائمة في حياة الناس أيا كان الطور الاقتصادى الذي يعيشون فيه. وحين تخالف هذه القيم فإن الحياة تضطرب وتختل ولا يعود لها ميزان.
ويكفينا هذا لإثبات ن القيم العلى ا هي أشياء قائمة بذاتها، ومطلوب وجودها في الحياة البشرية لأن هذه الحياة لا تستقيم بدونها. كما يكفينا هذا لنفي تلك الأسطورة القائلة بأن الوضع الاقتصادى هو الأصل الوحيد الذي تنشأ منه كل القيم وكل الأخلاق، وإن كنا نقرر من باب إحقاق الحق أن الوضع الاقتصادى يتخذ أهمية بالغة في كل جاهليات التاريخ، بحيث يبدو أن هو المسيطرة، وأنه هو الأساس، إذ تتوارى القيم الأخرى كلها وتحتجب، فتبرز القيم المادية وتصبح هي الأساس! ولو أن التفسير المادى للتاريخ اكتفي بأن يقول إنه يفسر الجاهليات البشرية لكان أقرب إلى الصواب، أما أن يزعم أن يفسر " التاريخ " .. كل التاريخ .. فزعم واسع يكذبه التاريخ! ومع ذلك فالجاهليات ذاتها – كما سنبين – لا يستوعبها استيعابا كاملا ذلك التفسير الجاهلى للتاريخ!
إذا اكتفينا بهذا القدر في مناقشة القضايا الرئيسية في التفسير المادى للتاريخ، وهي قضية مادية الخالق وقضية مادية الإنسان وقضية مادية القيم الإنسانية، فلا بأس أن نستعرض بعض القضايا المترتبة عليه ا. ونختار من بينها قضية، الدين " وقضية " الأسرة " وقضية " الشيوعية الأولى " وقضية " الملكية الفردية " وقضية " التطور " وقضية " الحتميات " وكلها من القضايا ذات الأهمية الخاصة في التفسير المادى للتاريخ.
? ... ? ... ?