1 - التفسير المادى للدين:
يقول التفسير المادى للتاريخ إن الإنسان الأول تدين لأنه كان جاهلا بقوانين الطبيعة من حوله، فصنع من قوى الطبيعة آلهة، فالبرق إله والرعد إله والريح إله والمطر إلى ه .. الخ، ولأنه كان جاهلا بالبيئة وغير قادر على السيطرة عليه ا، فجعل من أشجارها وحيوانها آلهة معبودة يستمطر رضاها ويتوقى غضبها، ويقدم لها الصلوات والقرابين .. ومصدرهم في كثير من هذه الأمور هو " فريزر " في كتاب الغصن الذهبى " الذي استغلوه استغلالا كاملا كما استغلوا دارون من قبل، وإن كانوا هم يشيرون إلى أبحاث " مورجان ولا يشيرون إلى فريزر!
أما في العهد الإقطاعى – أو الزراعى – فالناس متدينون لأن عملية الإنتاج تشتمل على جانب لا يملك الإنسان السيطرة عليه، وهو جانب الإنبات والإنماء والآفات والعوارض الجوية، فيتخيل قوى غيبية يسند إليها إخراج الزرع من الأرض وإنضاجه وحمايته، فيتعبدها ويسترضى ها لتحفظ له المحصول الذي تقوم حياته عليه.
ثم يزول الجهل والعجز بالتقدم العلمى والتكنولوجى فيتعرف الإنسان رويدا رويدا على قوانين الطبيعة، ويسيطر تدريجيا على البيئة، فتقل حاجته إلى " افتراض " القوى الغيبية. وحين تصبح عملية الإنتاج مادية بحتة في العصر الصناعى ويسيطر العامل على كل خطواتها من أول استخراج المادة الخامة إلى تشكيلها في صورتها النهائية .. فعندئذ تزول الحاجة إلى التدين نهائيا وينتهي دور الدين في حياة البشرية.
ومن جانب آخر فإن الطبقة الحاكمة سواء في الإقطاع أو في الرأسمالية تستخدم الدين – الذي هو أسطوة لا حقيقة لها – في تخدير الجماهير الكادحة لترض بالظلم في الأرض طمعا في الجنة في الآخرة.
ونقول بادئ ذى بء إنه من التعسف تفسير ظاهرة وجدت في جميع العصور وجميع الأجيال بتفسير خاص في كل جيل من الأجيال! إنما ينبغى – من الوجهة العلمية البحتة _ أن نبحث عن أسبابها في الأصول الثابتة لا في المتغيرات!
إن دلالة خمسين قرنا – على الأقل – من تاريخ البشرية المكتوب، فضلا عن قرون أخرى غير مكتوبة لا يعلم عددها إلا الله، لا يمكن أن تلغى بجرة قلم مهما يكن جبروت هذا القلم وطغيانه! ولا يمكن أن تلغى لأن جيلا واحدا أو جيلين قد تنكرا للدين لأسباب معروفة ومرئية وغير خافية على الذين يبحثون عن الحق ويحبون أن يهتدو إلى ه!
في كل تلك القرون التي لا يعلم عددها إلا الله كانت ظاهرة التدين قائمة، فلماذا نقول إن سببها في الجيل الفلانى كان كذا وفي الجيل الآخر كان أمرا آخر؟!
أهذه هي طريقة " البحث العلمى الموضوعى " وتلك هي مناهجه؟!
هل يمكن مثلا أن نرد الدافع الجنسى إلى أسباب مادية، أو إلى أسباب تختلف في جيل عنها في جيل آخر، إلى س وجود هذا الدافع على مدى التاريخ البشرى يجعلنا نقول إنه في أصل الفطرة، لا هو مكتسب ولا هو راجع إلى أسباب خارجية في البيئة المحيطة بالإنسان؟!