ومن هنا يكون للبشرية – في كل أوضاعها المادية والاقتصادية – حالتان اثنتان فحسب، إما سوية معتدلة وإما مقلوبة، بصرف النظر عن الوضع المادى والاقتصادى ذاته، أى أنه يكون رعويا في حالة اعتدال أو رعويا على الوضع المقلوب. ويكون زراعيا في حالة اعتدال أو زراعيا على الوضع المقلوب، ويكون صناعيا في حالة اعتدال أو صناعيا على الوضع المقلوب، ويكون ما شاء الله أن يكون من الأوضاع المادية والاقتصادية على حالتين اثنتين: مهتديا فتستقيم حياته، أو ضالا فتضطرب حياته وتختل.
والذي درسته المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ هو خط الضلال البشرى من الشيوعية الأولى إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية الثانية – كما سنشير فيما بعد – ولم يدرسا قط خط الإيمان التاريخى سواء عن عمد أو غير عمد لذلك التفت التفسير المادى للتاريخ إلى التغيرات الجزئية التي حدثت في الانتقال من كل طور اقتصادى إلى الطور الذي تلاه، وركز عليه ا، وضخمها، حتى بدت اختلافات جوهرية في حياة الإنسان! والسبب في ذلك أنه لم يقارن أبدا بين الصورتين المتغايرتين تغايرا جوهريا صورة الإيمان وصورة الضلال على جميع الأطوار المادية والاقتصادية، إذن لتبين له أن الفوارق الحقيقية ليست قائمة بين الاقتصاد الرعوى والاقتصاد الزراعى والاقتصاد الصناعى، إنما هي بين الاقتصاد الرعوى – والحياة الرعوية بجملتها – على خط الإيمان وعلى خط الضلال، والاقتصاد الزراعى – والحياة الزراعية بجملتها – على خط الإيمان وعلى خط الضلال، والاقتصاد الصناعى – والحياة الصناعية بجملتها – على خط الإيمان وعلى خط الضلال. ولتبين له كذلك أن الحياة بجملتها على خط الإيمان – في الحالة الرعوية والحالة الزراعية والحالة الصناعية – ذات سمات أساسية مشتركة، هي قيامها على الحق والعدل والترابط الإنسانى والأخوة وغلبة المحبة على الصراع 0 مهما يكن في داخلها من هزات واضطرابات ناشئة من إخفاق الناس في تطبيق المنهج الربانى بالصورة الواجبة) وإن الحياة بجملتها على خط الضلال – في الحالة الرعوية والحالة الزراعية والحالة الصناعية – ذات السمات اساسية مشتركة. هي قيامها على الظلم والطغيان والصراع على متاع الأرض القريب.
القضية الثانية، أو المدخل الثانى لقضية أصالة الإنسان ووجود سمات جوهرية أصيلة فيه لا تتغير بتغير الوضع المادى والاقتصادى هو ظاهرة الثورات في التاريخ البشري.
لماذا يثور الإنسان إذا لم يكن له كيان أصيل ينبغى أن يكون عليه؟
بعبارة أخرى: إذا كان الإنسان قابلا للتشكل الدائم بحسب الوضع المادى والاقتصادى دون أن يكون له شكل ثابت أو حدود ثابتة يجرع إليها، فلماذا يثور على أى وضع من الأوضاع يكون قد تشكل به في أثناء رحلته التاريخية على الأرض؟
يقول التفسير المادى للتاريخ – ويحسب أنه قد حل القضية بذلك – إن الحتمية المادية والحتمية الاقتصادية والحتمية التاريخية هي الجواب! وهي التي تفسر سبب الثورات. فإنه إذا انتهي الدور التاريخى لأى طور من الأطوار الاقتصادية ووصل