إنه من السذاجة غير " العلمية " أن ينظر الإنسان إلى تغير الصورة فينسى ثبات الجوهر
ونعود إلى النص الذي نقلناه عن رينيه دوبو في كتاب " إنسانية الإنسان " ص 71 من الترجمة العربية.
عاش رجل " كروماغنون Cro – Magnon " في أكثر أنحاء أوربا قبل حوالى ثلاثين ألف سنة، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة، ومع أنه كان صياد بصورة رئيسية كان – على ما يظهر – مشابها لنا جسما وعقلا، فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن، وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا، والعناية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما بالاهتمام بنهاية الإنسان وآخرته، وكل أثر مدون من آثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكرة القائلة أن الخواص الأساسية للجنس البشرى لم تتغير منذ العصر الحجرى
فتغير " القشرة " السياسية والاقتصادية والاجتماعية للإنسان – حتى إن سلمنا جدلا أنه ينبع من التغير المادى وحده، ونحن لا نسلم بذلك – لا يعنى أنه أصبح إنسانا آخر. ولا يعنى أن الإنسان الرعوى غير الإنسان الزراعى غير الإنسان الصناعى من حيث الجوهر.
وليس معنى ذلك – من جهة أخرى – أن أى نظام مثل أى نظام آخر، وأنه لا يختلف حال الإنسان أى اختلاف بتغير النظم عليه. كلا! ما نقصد ذلك ولكنا نريد أن نؤكد أنه ليس الوضع المادى هو الذي يحدث التغيير الجوهرى في حياة الإنسان، أو هو المعيار الذي تقوم به حياته.
إنما يحدث تغير جوهرى في حياة الإنسان بحسب معيار آخر مختلف تماما. هو نوع العبادة التي يعبدها. ونوع التشريع الذي ينظم حياته، هلى يعبد الله الحق أم يعبد آلهة زائفة، وهل يتحاكم إلى شريعة الله أم إلى شرائع جاهلية من صنع البشر.
ذلك هم الذي يحدث التغيير الجوهرى في حياته، سواء كان في الحالة الرعوية أو الحالة الزراعية أو الحالة الصناعية أو الحالة الذرية (إن كانت هذه تعتبر تحولا في طريقة الإنتاج على المدى البعيد!) أو في أى حالة من الحالات المادية على الإطلاق. والسبب في ذلك أن الإنسان – بخلقته – ذو طريقين مختلفين كل الاختلاف من حيث الأسباب والنتائج والوسائل والأهداف.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ [سورة الشمس 91/ 7 - 10]
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾ [سورة البلد 90/ 10]
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾ [سورة الإنسان 76/ 3]
وهو في الوضع السوى حين يعبد الله وحده ويحكم شريعته، وفي الوضع المقلوب حين يعبد غير الله ويحكم شريعة غير شريعة الله، ولا يستوى الوضع السوى بطبيعة الحال مع الوضع المقلوب، والفارق بينهما فارق جذرى وجوهرى، أما التغيرات المادية والاقتصادية فهي تغير الصورة نعم، ولكنها لا تغير الجوهر.