أفينقلب هذا التكريم الربانى والتفضيل إلى نقيصة يوصم بها الإنسان في التفسير المادى للتاريخ، فيقال، إنه لا " كيان " لهذه النفس البشرية ولا سمات محددة، وإنها تأخذ سمتها من الوضع المادى الذي تكون فيه؟
إن الحمار لا يمكن إلا أن يكون حمارا مهما أوقعت عليه من الضغوط لتغيير طبيعته! أفيكون الإنسان أقل أصالة من الحمار في عرف التفسير المادى للتاريخ، في الوقت الذي يزعمون فيه أنه " أعلى تطور في عالم المادة "؟!
إن قضية أصالة " الإنسان "، ووجود سمات أصيلة فيه تحدد طبيعته " الإنسانية " هي قضية فوق الشك، أيا كان المدخل الذي ندخل إليها منه.
ولكنا نختار ثلاث مداخل رئيسية مما يناسب هذا البحث:
أولا: هل التغير الذي يحدث في حياة الإنسان حين تتغير أوضاعه المادية والاقتصادية هو تغير في " القشرة " السياسية والاقتصادية والاجتماعية أم تغير في " جوهر " الإنسان؟
ثانيا: لماذا يثور الإنسان بين الحين والحين؟ وعلى أى شئ يثور؟ وإلى أى شئ يهدف من ثورته؟
ثالثا: لماذا تظهر عليه أعراض امرض النفسى حين يتناول غذاء " حاضريا " لا يناسب طبيعته؟
فبالنسبة للقضية الأولى نجد بادئ ذى بدء أن دواعى التغيير المادى ذاتها نابعة من " نفس " الإنسان وليست نابعة من المادة المحيطة بالإنسان، فهذه المادة – بمعنى الكون المادى على اتساعه وبمعنى البيئة القريبة المحيطة – موجودة بالنسبة للحيوان كوجودها بالنسبة للإنسان على السواء. فلماذا لا تثير بالنسبة للحيوان الرغبة في التعرف على خواص المادة والرغبة في استخدام حصيلة المعرفة في تغيير البيئة المحيطة، بينما تثير هاتين الرغبتين بالنسبة للإنسان؟
هل الفرق كائن في المادة أم إنه كائن في الإنسان؟! وإذا كان كائنا في الإنسا كما هو بدهي، أفليس هذا خطا ثابتا من خطوط النفس البشرية يحدد سمة من سماتها الأصيلة التي لا تتغير بتغير " القشرة " الخارجية ولا بتغير الظروف المادية والاقتصادية؟
صحيح أن حصيلة التفاعل المستمر بين الإنسان والمادة المحيطة به تحدث تغييرا في البيئة وتغييرا في صورة الإنتاج، فيصبح رعويا أو زراعيا أو صناعية أو .. ؟ ولكن كم يغير هذا التغيير من طبيعة الإنسان الأصيلة؟
نترك مؤقتا قضية الملكية الفردية لأننا سنفردها بحديث خاص، نثبت فيه من واقع التطبيق الشيوعى ذاته أن نزعة الملكية الفردية لم تمت في نفوس الناس ولا أمكن إحلال الملكية الجماعية محلها. ونشير إلى بقية الدوافع.
هل تغيرت دوافع الإنسان الأصيلة؟ حبه للحياة .. رغبته في المتاع. رغبته في الجنس .. رغبته في البروز وإثبات الذات .. رغبته في المعرفة .. رغبته في إطالة عمره على الأرض .. رغبته في السيطرة على البيئة .. رغبته في الاجتماع بالأخرى ن .. رغبته في الانتماء .. رغبته في التحسين المستمر لأحواله .. رغبته في الأمن .. رغبته في الاستقرار رغبته في الذرية ..
نعم، تغيرت الصورة التي يحقق بها هذه الدوافع، ولكن هل تغيرت طبيعة الدوافع؟