تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا ثبت علميا – كما ثبت اليوم – أن المادة حدثتن ولم تكن موجودة من قبل، وإنها ليست أزلية أبدية كما زعم التفسير المادى للتاريخ، فقد انهار الأساس الأول الذي افترة افتراء من اجل إقامة التفسير المادى للقيم الإنسانية.

وإذا ثبت علميا – كما هو ثابت منذ قيام شئ اسمه العلم في حياة الإنسان – أن الكائن الحى – كل كائن حى بله الإنسان – يسير على نمط مخالف للمادة غير الحية، وإذا ثبت علميا كذلك – كما هو ثابت من أبحاث الداروينية الحديثة ذاتها – أن الإنسان متفرد عن الحيوان حتى في كيانه الحيوى (البيولوجى) البحت، فضلا عن كيانه العقلى وكيانه النفسى وكيانه الروحى وكل شئ فيه، فقد انهار الأساس الآخر الذي افترى افتراء من أجل الهدف ذاته.

وإذا علمنا أن قصة " تطور " المادة إن هي إلا مهرب – غير علمى – يهرب به الماديون من مواجهة القضية خلق الحياة من الموات، فضلا عما أثبته العلم من أن الموات ذات مخلوق، وأن الكون المادى قد أنشئ من غير وجود سابق. أى أنشئ من العدمن.

إذا علمنا ذلك فقد انهارت كل " مقومات " التفسير المادى للقيم الإنسانية القائمة على أساس أن المادى أزلية أبدية خالقة (أو متطورة ينتج من تطورها النبات والحيوان والإنسان) وأن الإنسان هو نتاج المادة فحسب.

والتفسير الأصوب فيما يتعلق بالقيم الإنسانية والحياة الإنسانية بأسرها هو أن نرجع فيها إلى " الإنسان " إلى النفس الإنسانية التي هي محور النشاط كله الذي يقوم به الإنسان.

فإذا رجعنا إلى الإنسان كما نراه في عالم الواقع لا في صورته المفتراة بغير دليل نفسه مساحات أخرى واسعة لا يشغلها الاقتصاد، وإنما تشغلها قيم أخرى أصيلة أصالة المادة وأصالة الاقتصاد، وسنجد كذلك ظاهرة أخرى لا تقل عن ذلك أهمية، هي أن الإنسان وحدة متكاملة، تتفاعل فيها كل العناصر والمكونات لتعطى في النهاية تعبيرا شاملا هو محصلة العناصر جميعا والمكونات جميعا. وأن أى محاولة لتفسير الإنسان بعنصر واحد من عناصره، أو على ضوء عنصر واحد من عناصره، هي محاولة ساذجة جدا لا تليق بأى " نظرية " تتعرض لتفسير السلوك البشرى، وأن " العلماء " الذين يستحقون هذا الوصف ينبغى أن يكونوا أثقل وزنا وأكثر أمانة من أن يعطوا هذه التفسيرات الساذجة، مهما تكن الأغراض الخفية الكامنة وراء هذه التفسيرات.

وسواء كان العنصر الواحد هو الاقتصاد كما قال ماركس، أو هو الجنس كما قال فرويد، أو العقل للجمعى المسيطر على الأفراد من خارج كيانهم كما قال دور كايم، فكلها أضأل وأكذب م أن تفسر الحياة الإنسانية الواسعة الجوانب المتعددة ألوان النشاط، ويكفي أن نجمع هذه التفسيرات الثلاثة بعضها إلى جانب بعض ليتضح لنا أن دعوى كل واحد منهم أن تفسيره هو التفسير " العلمى " الصحيح هي دعوى كاذبة وإن اشتملت على شئ من الحق، فالاقتصاد جانب مهم، والجنس جانب مهم، وخضوع الفرد للتيارات الجماعية جانب مهم، ولكن أيا منها لا يستقل وحده بتوجيه، الإنسان " ووضع معاييره وقيمة كلها جميعا، وأن التفسير الحق للإنسان ونشاطه

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥٠٧