إن المؤمنين بالله ورسله يؤمنون بأن الإنسان من مادة هذا الكون:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)﴾ [سورة الحجر 15/ 26]
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71)﴾ [سورة ص 38/ 71]
ولكنهم يؤمنون بأن هناك شيئا آخر غير الطين هو الذي جعل الإنسان إنسانا وميزه على بقية الخلق. ذلك هو النفخة العلوية فيه:
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)﴾ [سورة ص 38/ 71 - 72]
فإذا جرده الشيوعيون من نفخة الروح وجعلوه طينا فحسب، فكيف يفسرون سيادة الطين على الطين، أو سيادة جزء من المادة على بقية المادة المماثلة لها تماما في التركيب؟!
وكيف يكون هذا منطقا " علميا " تبنى عليه نظرية علمية وتفسير علمى للحياة البشرية؟! وهل حدث خلال ألوف الملايين من السنين أن خرجت قطعة من المادة فسودت نفسها أو زعمت لنفسها سيادة على بقية المادة المتفقة معها في جوهرها وأعراضها؟
أم لابد بداهة أن تكون قطعة المادة التي سودت نفسها أو منحت السيادة على بقية المادة، متميزة في تركيبها عن بقية المادة وزائدة عنها بنوع من الزيادة أيا كان؟
فإذا كان ذلك كذلك فكيف تكون قوانين المادة العادية منطبقة بحذافيرها على قطعة المادة التي تميزت عنها في تركيبها وزادت عليه ا زيادات؟
إلى ست الزيادة التي اقتضت التميز والسيادة – أيا كان نوعها – تقتضى أن يكون لها معاييرها الخاصة وقوانينها الخاصة؟
وهل يكفي أن يقول الإنسان بلسانه – كما يقول التفسير المادى للتاريخ – إن الإنسان هو أعلى " تطور " حدث في عالم المادة، إذا كان سيعود فيلغى هذا " التطور " ويعامل الإنسان بقانون المادة البحث بلا تغيير؟
ما قيمة التطور إذن – إذا سلمنا جدلا بأن الإنسان مادة متطورة – بل ما قيمة " أعلى درجات التطور، إذا كنا سنعود فنعامل المادة المتطورة بقوانين المادة غير المتطورة؟
وما هذه الحيرة والبلبلة: مرة نعامل الإنسان على أنه أعلى درجات التطور في عالم المادة، ومرة نعامله بقوانين الطين مجردة عن كل زيادة. أم هذا هو " الإنسان الطينى " الذي يصفه ويتكلم عنه التفسير المادى للتاريخ!
انطبقا قوانين المادة الجامدة على الإنسان أسطورة " علمية " غير مسبوقة في تاريخ الفكر البشرى، تسجل " براءة " اختراعها والحق يقال للماديين الشيوعيين، وإن كانت لا تحمل " براءة " على الإطلاق!
إنها مجرد هراء يتلبس بزى علمى مزيف، لا يمكن تفسيره إلا إذا أخرجناه تماما من دائرة العلم، ونظرنا إلى ه من زاوية الهدف المقصود منه، كما أسلفنا من قبل ونحن نتحدث عن التفسير المادى للخالق.