ولكنه لم يكن قط في التصور الداروينى مادة، ولا كانت قوانين المادة منطبقة عليه، فمنذ تحولت المادة الميتة إلى مادة حية – بصورة لم يشأ دارون أن يتعرض لها، بل تهرب منها لكيلا تلجئه إلى الاعتراف بالإرادة الآلة ية في إخراج الحى من الميت – منذ ذلك الحين صارت لها قوانين خاصة تحكمها غير قوانين المادة الميتة، هي قوانين الحياة.
وكانت تلك بديهية عند دارون وعند الناس جميعا، لا يخالجهم فيها شك لأنها أوضح من ان يثور فيها الشك. ولئن كان دارون قد رد الإنسان إلى المرتبة الحيوانية (على أساس جسده) مغفلا تفرد الإنسان فإنه على أى حال قد ارتفع بالكائنات الحية جميعا بما فيها الإنسان – بلى هو في قمتها – عن مجال المادة، وجعل مجال الحديث عنها هو علم " الحياة " الذي يختلف اختلافا بينا عن علم " المادة ".
أما التفسير المادى للتاريخ فلم يشأ أن يقف بالإنسان – في الهبوط– عند مرحلة الحيوانية التي أوقفه فينا دارون، إنما دفعه دفعات أخرى إلى أسفل، ليتردى في مهاوى المادى الحالكة حيث يعود إلى التراب، صرفا بغير روح، ويصبح قانونه التراب!
وحدة العالم تنحصر في ماديته، والإنسان نتاج المادة. فإذا قيل وما الفكر؟ فالفكر نتاج الدماغ، والدماغ مادة!!
منطق علمى " عجيب، غاية في العجب في الحقيقة!
فلتكن وحدة العام منحصرة في ماديته كما كان العلم الناقص يقول على أيام ماركس وإنجلز ولنين قبل تفجير الذرة واستخلاص " الطاقة " من داخلها. . فما صلة ذلك بالإنسان؟!
الكون المادى مادة. والحياة حياة، والإنسان إنسان!
وليكن الدماغ مادة .. فهل كل مادة تنتج الفكر؟!
وإذا كان الأصل في الفكر هو مادة الدماغ، فهل يختلف مخ الطفل الوليد عن مخ الإنسان الناضح، من حيث تركيبه " المادى "؟! فلماذا لا يفكر الطفل بينما يفكر الإنسان الناضج؟ ولماذا يفكر الطفل – حين يبدأ يفكر – على نحو مختلف عن تفكير الإنسان الناضج من جميع الوجوه؟ هل هناك عناصر " مادية " تضاف إلى مخ الطفل فيصبح مخ إنسان ناضج؟ وما تلك العناصر على وجه التحديد؟!
وأمخاخ الناس جميعهم – من حيث التركيب المادة – متشابهة إن لم تكن متماثلة. فلماذا يختلف تفكير شخص عن شخص آخر اختلافا تام مع عدم وجود اختلاف في " المادة " التي يصدر عنها هذا الفكر وذاك؟!
وحين يكون الإنسان متدينا ثم يصبح شيوعيا – مثلا – فهل تتغير " مادة " مخه، بحيث لو كشفنا على مخه لأبصرنا تغيرا معينا ملموسا طرأ عليه، فأسود – مثلا – بعد ابيضاض، أو زادت فيه كمية الناحس ونقصت كمية الفوسفور؟!
أى سخف في هذا " العلم " يبعث الغثيان!
والشيوعية تقول إن الإنسان سيد هذا الكون ... فكيف يخلق الكون سيده كما تساءلنا من قبل؟ ثم كيف يكون السيد من نفس مادة المسود بلا زيادة؟! ما الذي يجعله سيدا إذن إذا كان من نفس التركيب؟!