عقولهم وأفكارهم، إلى إله آخر له معظم خصائص الآلة الأول، ولكن ليست له كنيسة ولا التزامات، وعباده أحرار فيما يصنعون بأنفسهم لا سلطان لأحد عليه م .. إلا الهوى والشهوات!
ولكن الطبيعة على أى حال كانت تمثل في وجدان عبادها شيئا حيا، مبهما غير محدد السمات، يرون " مظاهره " في الجبال والأنهار والأشجار والأزهار والمطر والرياح والبرق والرعد والإنسان والحيوان .. أما القدرة على الخلق وإعطاء كل شئ صورته التي هو عليه ا، وتنسيق وظائف كل كائن بما يلائم ظروفه .. إلى آخر تلك الصفات التي هي في حقيقتها صفات الخالق: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾ [سورة طه 20/ 50] .. وقد كانت تضفي على الطبيعة بصورة أقرب إلى خيال الفن منها إلى واقعية الفكر فضلا عن واقعية العلم .. صورة سحرية مبهمة غامضة لا تستطيع أن تمسك بها أو تحددها، ولكما حاولت تحديدها أفلتت منك، لأنها بطبيعة الحال وهم لا حقيقة له، وعبادها أنفسهم لم يخرجوها من دائرة الوهم إلى نور الفكر المجدد للسمات والصفات.
ورغم أن الكلمة جرت على ألسنة العلماء كأنها حقيقة فلا شك أنها كانت عندهم – كما كانت عند غيرهم – مهربا وجدانيا أكثر مما هي عقيدة حقيقية.
كانت وثنا يلجأون إلى ه: يلقون إلى ه بحيرتهم ودهشتهم كلما فاجأهم سر من أسرار الكون العجيبة التي تشهد أن لا إله إلا الله .. فيهربون عنده من الإقرار بما يجول في صدورهم ولا يرى دون الإقرار به حتى في سرهم وخلوتهم مخافة أن تلحق بهم الكنيسة فتوقعهم في قبضتها، ويحسبون أن الاحتماء بهذا الوثن سيخلصهم من حيرتهم وينقذهم منها وهيهات!
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنفسهم ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [سورة النمل 27/ 14]
ولو أنهم كاشفوا أنفسهم بدلا من مغالطة أنفسهم بالوهم، لسألوا أنفسهم هذا السؤال البدهي القريب: ... ما الطبيعة على وجه التحديد؟ وأين تكمن قدرتها على الخلق؟ في أى مكان منها، أم ليس لهذه القدرة مكان ولا حيز؟
فإذا لم تكن محسوسة ولم يكن يحدها المكان ولا الحيز، وكانت " غيبا " لا تدركه الأبصار، إنما تدرك أثاره فقط ومظاهره، فما الذي يبرر في منطق العقل أن نعدل عن الاسم الحقيقى، اسم الله، ونلجأ إلى مسميات ما أنزل الله بها من سلطان؟ أو – إن كان الله في منطق الإلحاد لا حقيقة له – فما الذي يبرر – في منطق العقل أو في منطق العلم – أن يقول قائل إنه ليس حقيقة حين يكون اسمه الله جل جلاله، ثم يكون هو ذاته حقيقية حين يكون اسمه "الطبيعة "؟!
أهو الخوف من الكنيسة وطغيانها؟
أو هو البغض لها والحقد عليه ا؟
فليكن!
فلنهجر الكنيسة ونفر منها إلى الله الحق، وهو إله لا كنيسة له في الحقيقة ولا رجال دين!
ولكن أوربا الجاهلية لم ترد أن تدخل الإسلام .. ففرت من جاهلية الكنيسة إلى جاهلية لا تقل سوءا ولا انحرافا .. إن لم تكن أشد!