إلى هنا كنا نتناول المادية الجدلية، وقد أوردنا من كلامهم ما يبين وجهة نظرهم بالقدر الذي يكفي لتتبع المناقشة التي ستأتى فيما بعد.
والآن ننتقل إلى الكلام عن المادية التارخية. والحقيقة أن هناك ارتباطا وثيقا بين المادية الجدلية والمادية والتاريخية بحيث يصعب الفصل بينهما. وهم أنفسهم يقولون ذلك.
جاء في كتاب " المادية التاريخية " (ص 12 من الترجمة العربية):
" إن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية تظهران كعلم واحد، وكفلسفة متكاملة، فلا المادية التاريخية معقولة بدون المادية الديالكتيكية، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية، فبماذا نفسر ذلك؟
" أولا: بأنه لا يمكن وضع نظرة مادية ديالكتيكية علن العالم ككل، إذا لم يتوفر التفسير المادى للحياة الاجتماعية. إذا لم يكن قد اكتشف أن المجتمع هو أيضا شكل لحركة المادة وخاضع في تطوره لقوانين موضوعية كقوانين الطبيعة المادية والديالكتيكية غير ممكنة بدون المادة التاريخية.
" ثانيا: لأن الإجابة الصحيحة عن المسألة الأساسية في الفلسفة حول أولوية المادة وثانوية الوعى غير ممكنة بدورها توضيح سبب وكيفية ظهور الوعى الإنسانى والدور الذي لعبه في ذلك التطبيق العملى الاجتماعى التاريخى للناس، إذ أن الإجدابة عن هذا السؤال تقدمها المادية التاريخية "
وجاء في نفس الكتاب (ص 13 – 14 من الترجمة العربية):
" إن تحريف المادية الديالكيتية يؤدى حتما إلى تشويه المادية التاريخية. إن المادية التاريخية لا تتوافق مع أية فلسفة أخرى غير المادية الديالكتيكية. إن الاعتراف بالمادية التاريخية مع نكران المادية الديالكتيكية ليس إلا زيفا خالصا وسفسطة مقززة
ثانيا: المادية التاريخية
المادية التاريخية كما هو واضح من التسمى ة، محاولة لتفسير التاريخ البشرى على الأسس المادية التي أوردناها في شرح المادية الجدلية، أى على أساس أن المادة أزلية أبدية، وإنها هي الخالقة لكل ما في الكون من مخلوقات: وأن الإنسان نتاج المادة، والفكر نتاج المادة! وإن قوانين المادة هي بذاتها التي تحكم حياة البشر الاجتماعية، وأن الوضع المادى والاقتصادى هو الذي يكيف شكل الحياة البشرية في أى وقت من أوقاتها وفي أى طور من أطوارها: وأنه هو الأصل الذي تنبثق منه الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التي ينشئها البشر في حياتهم، وأنه يأتى دائما سابقا لها ولا تجئ هي سابقة له بحال من الأحوال، لأن المادة تسبق الوعى ولا يمكن للوعى أن يسبق المادة؛ وأن الوضع المادى والاقتصادى في تطور دائم، ومن ثم فإن الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التي تنبثق عنه دائمة التطور كذلك، بحكم ارتباطها بالوضع المادى والاقتصادى وانبثاقها عنه.
وربما يحق لنا أن نبدأ الحديث عن المادية التاريخية من نقطة صلتها بالدروينية ونظرية التطور ن لأن ذلك قد يلقى الضوء على بعض مفاهيمها.
قدم دارون تفسيرا معينا لتطور " الحياة " من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان، قرر فيه جملة " مبادئ " تأثرت بها المادية الجدلية والمادية التاريخية، كان من جملتها: