والإلحاد لا يستحق منا مناقشة " علمية " جادة لأنه ليس من الأمور الجادة التي عرضت للبشرية في مسيرتها على هذه الأرض، إنما هو عبث صنعه الشياطين، وأوقعوا فيه المستغفلين من الأمميين في فترة كانوا فيها ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾ [سورة المدثر 74/ 50 - 51] ولقد كانت " الحمر " فارة من طغيان الكنيسة وحماقاتها، فأسرع الشياطين فركبوها وألهبوا ظهورها بالسياط لتجرى إلى آخر المشوار، بدجل من أن تفيق من نفرتها المجنونة وتفئ إلى الدين الصححي الذي يخلصها من كل ما كانت تشكو منه من مشكلات أو انحرافات أو حماقات ..
وقد تحدثنا في مقدمة هذا الفصل عن بعض منافذ الفطرة التي توصلها إلى الإيمان بوجود الخالق المدبر المهيمن المسيطر، سواء عرفته على حقيقته فعبدته العبادة الحقة أم تصورته على غير حقيقته وأشركت به آلةو أخرى، وما بنا من حاجة إلى مزيد في مثل بحثنا الحاضر. ولكنا هنا – في هذا الفصل – بصدد شئ واحد هو التأكيد على هذه الحقيقة: أن الإلحاد ليس من شأن الفطرة حتى في حالة ضلالها، وأنه أمر مصطنع، لا تصل إلى ه الفطرة من تلقاء نفسها مهما وصل بها الحال من الضلال.
ونكتفي بالتعرض لنقطة واحدة مما جاء في التواءات الجاهليين المعاصريين في شأن الدين، أو في شأن الإلحاد.
تلك هي قولة جوليان هكسلى في كتابه " الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World " إن الإنسان قد خضع له بسب عجزه وجهله ن والآن وقد تعلم وسيطر على البيئة. فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز على عاتق الله، ومن ثم يصبح هو الله.
نعوذ بالله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)﴾ [سورة غافر 40/ 56]
نفترض جدلا أن العجز والجهل – وحدهما – هما سبب خضوع الإنسان له في صورة دين وعقيدة وعبادة .. فما الذي تغير في حياة الإنسان المعاصر ليخرجه من الخضوع لله؟!
تلك القشور من العلم التي وصل إليها، وهذا القدر الضئيل من السيطرة على " البيئة "؟!
فأما العلم فندع " ول ديورانت " الفيلسوف المعاصر يتحدث عنه في كتاب " مباهج الفلسفة ".
" ما طبيعة العالم؟ وما مادته وما صورته؟ وما مكوناته وهيكله؟ وما مواده الأولى وقوانينه؟ وما المادة في كيفها الباطن وفي جوهر وجودها الغامض؟ وما العقل؟ أهو على الدوام متميز عن المادة وذو سلطان عليه ا؟ أم هو أحد مشتقات المادة وعبد لها؟ أيكون كلا العالمين: الخارجى الذي ندركه بالحس والباطنى الذي نحسه في الشعور، عرضة لقوانين ميكانيكية أو حتمية كما قال الشاعر " ما يكتبه الخالق في مطلع النهار نقرؤه في آخر النهار "؟ أم ثمة في المادة، أو في العقل، أو في