تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان يمكن – لو أراد الله – أن تكون على صورة أخرى وذات خواص مختلفة. فالذي جعلها على هذه الصورة، وأعطاها هذه الخواص هو مشيئة لله وحدها. وهذا هو السبب الحقيقى الذي لا يغنى عنه معرفة السبب الظاهر، وإلى ذلك تشير سورة الواقعة:

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) على أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70)﴾ [سورة الواقعة 56/ 58 - 70]

وحين قال علمءا أوروبا في عصر النهضة وما بعده إن السب الظاهر بديل من السبب الغيبى، أو من " الطبيعة " بديل عما " وراء الطبيعة " لم يكن ذلك حقيقة موضوعية ولا حقيقة مطلقة .. إنما كان " واقعا " عاشته أوروبا بسبب حماقة الكنيسة، التي كانت تمنعهم – أو لا تتيح لهم – أن يبحثوا عن السبب الظاهر، وتبرز لهم السبب الغيبى وحده مع إبقائهم في ظلمات الجهل، فلما اكتشفوا السبب الظاهر، وانبهروا " بالعلم " الذي كشف لهم – عن طريق معرفة السبب الظاهر – آفاقا لم يكونوا يعرفونها من قبل، كان الأمر الواقع بالنسبة إليهم أن السبب الظاهر هو الذي علمهم؛ ومن ثم كان وضع السبب الظاهر بديلا من السبب الغبيى هو الأنسب لهم والأكسب! فقالوا قولتهم من واقعهم الضيق الذي عاشوه، وخيل إليهم في بهرة " العلم " أن ما يقولونه هو الصواب!

وحين جعلت أوروبا الطبعة بديلا من الله لم يكن ذلك – كما بينا في فصول الكتاب الأولى – إلا مهربا من إله الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه وتفرض عليه م الإتاوات والعشور، والخضوع المذل لرجال الدين، مع محاربة العلم، والحجر على حرية الفكر، ومع الوقوف الظالم مع رجال الإقطاع ضد المطالبين بالإصلاح .. ولم يكن قط حقيقة علمية، وإن بلغ الحمق " بالعلماء " أن يصدقوا الخرافة، ويقدموها على الحقيقة، ويصنعوا ذلك باسم "العلم"!

ولكن هذا كله على أى حال كان إلحاد " العلماء " و" الفلاسفة " و" المفكرين " .. أما الجماهير فكانت ما تزال تؤمن " بالدين ". ولا نتعرض هنا لما كان في ذلك الدين الذي آمنت به الجماهير من تحريف وتشويه وخرافة .. وإنما نتحدث عنه باعتبار أنه " دين " يحوى على اقل تقدير إيمانا بوجود الله وإيمانا بالوحى، وإيمانا باليوم الآخر، في مقابل " اللادين " .. في مقابل الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله، وإنكار الوحى، وإنكار اليوم الآخر ..

كيف انتقلت الجماهير من الدين إلى اللادين؟

الكنيسة هي المسئول الأول ما تزال ..

والفتنة بالعلم من الأسباب ..

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤٤٥