تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجند النفوس المؤمنة لجهادهم وإجلائهم من الأرض على أساس من إخلاص العبادة لله، ذلك الإخلاص الذي يتضمن الاعتقاد إلى قينى في القلب بوحدانية الله، والتوجه بالشعائر التعبدية لله وحده، وتحكيم شريعة الله وحدها، ورفض أى شريعة أخرى لم يأذن بها الله.

وبهذه الوسائل كلها مجتمعة تفئ الفطرة إلى سوائها، وتعود إلى صفائها، ويصبح الإنسان في أحسن تقويم ..

ولقد كانت " مؤهلات " الشرك كلها قائمة في الجاهلية المعاصرة منذ " النهضة الأوروبية " إلى اليوم، مما ران على القلوب من غفلة، ومن الهبوط الذي يعطل أجهزة الإيمان بما لا تدركه الحواس، ومن الهبوط الخلقى واتباع الشهوات، ومن تحكيم غير شريعة الله.

ولكن لأمر ما لم تؤد هذه " المؤهلات " بأوروبا إلى الشرك – كما كان شأنها في الجاهليات السابقة – ولكنها أدت بها إلى الإلحاد!

ولابد من وقفة دراسة هذا الأمر الذي لا مثيل له من قبل في كل جاهليات التاريخ.

الكنيسة الأوروبية – بحماقاتها – هي المسؤول الأول عن ذلك ولا شك.

فهذه الحماقات هي التي أدت إلى جعل العلم بديلا من الدين، وجعل السبب الظاهر بديلا من السبب الحقيقى، وجعل الطبيعة بديلا من الله ..

فالعلم – في وضعه الطبيعى – ليس بديلا من الدين! إنما هو نافذة من نوافذ المعرفة التي تؤدى في النهاية إلى المعرفة الحقة بالله، ومن ثم إلى إخلاص العبادة له، حين يدرك العقل البشرى عظمة الخلق ويطلع على أسراره العجيبة التي تحير الألباب:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر 35/ 28]

وحين قالت أوروبا أن الدين قد أخلى مكانه للعلم وإن العلم هو البديل من الدين، لم تكن تتحدث عن حقيقة موضوعية ولا حقيقة مطلقة .. إنما كانت تتحدث عن " واقع " حدث في أوروبا بسبب حماقة الكنيسة حين حاربت ا لعلم والعلماء، وخيرتهم بين اتباع الخرافة للمحافظة على " الدين " – دينها الذي ابتدعته وشكلته على حسب أهوائها – وبين اتباع العلم والخروج من الدين. وقد اختار العلماء اتباع العلم لأنهم يعرفون قدره، ويعلمون أنه أحق بالاتباع من الخرافة. فلما طردتهم الكنيسة من " الدين " كان العلم – بالنسبة إليهم – هو البديل من الدين. لا لأنه في الحقيقة بديل عنه، ولا لأنه بطبيعته يغنى عنه، ولكن لأن حماقة الكنيسة وضعت الأمور في هذا الوضع.

واسبب الظاهر ليس بديلا عن السبب الحقيقى، لأنه يفسر فقط كيف تحدث الأشياء على النحو الذي تحدث به، ولكنه با يفسر لماذا كانت الأشياء عليه ذا النحو!

فقانون السببية مثلا يفسر كيف يتحول الماء إلى بخار بالتسخين، ولكنه لا يفسر لماذا كان التسخين يحول الماء إلى بخار! فلولا أن الله خلق الماء على النحو الذي يجعله التسخين يتحول إلى بخار ما تحول!

بعبارة أخرى: إن العلم بخواص المادة يفسر لنا الظواهر التي تحدث في عالم المادة، ولكنه لا يفسر لماذا كانت المادة بهذه الصورة وبهذه الخواص. ذلك أن هذه الصورة ليست هي الصورة الوحيدة الممكنة عقلا .. بل هي إحدى الصور الممكنة،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤٤٤