قدرة الله بها، وتارة بعرض الدقة المعجزة في الكون وارتباطها بقدرة اله، وتارة بعرض إحاطة علم الله بكل ما في الكون من أشياء وأشخاص وأحداث، وتارة بعرض مشاهد القيامة حية مجسمة كأنها الحاضر الذي يعيشه الإنسان في هذه اللحظة، والحياة الدنيا كأنها ماض كان منذ زمان سحيق، وتارة باستجاشة الوجدان بآيات رحمة بالإنسان ورعايته له في سرائه وضرائه، وتارة بعرض هيمنة الله المطلقة على كل شئ في هذا الكون، سماواته وأرضه وأفلاكه، وناسه وأحداثه، سواء في الحياة الدنيا أو الآخرة، يوم يبعث الموتى ويعرضون للحساب ﴿وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (108)﴾ [سورة طه 20/ 108] ﴿وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [سورة طه 20/ 111]
وحين يخاطب القرآن " الإنسان " كله، من جميع جوانبه، وفي كل حالاته، يعود إلى وضعه الفطرى، فتعمل أجهزته كلها في وقت واحد، فتعود لأجهزة الإيمان بما لا تدركه الحواس حيويتها الطبيعية، فيؤمن الإنسان بالله الذي ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾ [سورة الأنعام 6/ 103] بل جهد يبذله في ذلك الإيمان، بل بشعور عميق بالطمأنينة والرضا والاسترواح والسكينة التي تغمر القلوب:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ [سورة الرعد 13/ 28]
فتصبح لحظات القلق هي لحظات البعد عن النور الآلة ي الفياض وساعات الرضا هي ساعات الاقتراب.
وأما ثقلة الشهوات التي تجنح بالإنسان إلى التفلت من أمر الله، وتؤدى به في النهاية إلى ألوان مختلفة من الشرك، فإن القرآن يرفع الإنسان عنها بتوسيع آفاقه، ورفع اهتماماته، وتوجيه طاقاته إلى جوانب الخير في الحياة، فيحدث " التسامى " أو " التصعيد " الذي يطهر النفس من الأرجاس:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17)﴾ [سورة آل 3/ 14 - 17]
وحين تصل النفس إلى هذه الرقعة فإنها لا تعود تستنكر القيد الربانى وتسعى إلى التفلت منه، بل تحس أنه القيد الذي يمنح الإنسان الحرية اللائقة به .. حرية الإنسان. وتعود تنفر من ذلك الهبوط الذي كانت تتشهاه من قبل، وتلمس فيه القيود الكريهة التي لم تكن تراها من قبل .. قيود الحيوان .. وعندئذ تقبل النفس على الله راضية بعبادته وحده دون سواه.
وأما الطغاة الذين يستعبدون الناس في الأرض، ويصنعون من أنفسهم أربابا مع الله أو من دون الله، ويسوقون الناس إلى الشرك في نهاية المطاف، فالوحى الربانى