يحمل مشعل (النور) او (التنوير) للامة، وانا اقصد هنا: التنوير الحقيقي لا (التزوير) الذي يسمونه (التنوير). فالتنوير الحقيقي هو الذي يرد الامة الى النور الحق الذي هو اصل كل نور وهو نور الله تعالى ممد الكون كله بالنور، وممد قلوب المؤمنين بالنور: نور الفطرة والعقل، ونور الايمان والوحي (نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء).
وكان اهم معالم هذا التنوير: مقاومة التغريب والغزو الفكري الذي يسلخ الامة من جلدها، ويحاول تغيير وجهتها وتبديل هويتها والغاء صبغتها الربانية (صبغة الله ومن احسن من الله صبغة) وكان واقفا بالمرصاد لكل دعاة التغريب يكشف زيفهم ويهتك سترهم - وان بلغوا من المكانة ما بلغوا - حتى رد على طه حسين، وغيره من اصحاب السلطان الادبي والسياسي.
قال الجندي يوما عن نفسه: «انا محام في قضية الحكم بكتاب الله، ما زلت موكلا فيها منذ بضع واربعين سنة، حيث اعد لها الدفوع، واقدم المذكرات بتكليف بعقد وبيعة الى الحق تبارك وتعالى، وعهد على بيع النفس لله. والجنة - سلعة الله الغالية - هي الثمن لهذا التكليف (ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة)».
كان النوروالتنوير غايته ورسالته، وكانت الجندية وظيفته ووسيلته. لقد عاش في هذه الحياة (جنديا) لفكرته ورسالته فلم يكن جندي منفعة وغنيمة، بل كان جندي عقيدة وفكرة. لم يجر خلف بريق الشهرة ولم يسع لكسب المال والثروة او الجاه والمنزلة، وانما كان اكبر همه ان يعمل في هدوء، وان ينتج في صمت، والا يبحث عن الضجيج والفرقعات، تاركا هذه لمن يريدونها ويلهثون وراءها.
كان الاستاذ الجندي من «الاخوان المسلمين» من قديم وممن رافق الامام البنا مبكرا وممن كتبوا في مجلات الاخوان في الاربعينيات من القرن العشرين ولكن الله تبارك وتعالى نجاه من كروب المحن التي حاقت بالاخوان قبل ثورة يوليو وما بعدها، فلم يدخل معتقل الطور ايام النقراشي وعبدالهادي ولم يدخل السجن الحربي ايام عبدالناصر، بل حصل على جائزة الدولة التقديرية في عهده على حين لم ينلها احد ممن كانت له صلة بالاخوان.
وربما كانت طبيعته الهادئة، وعمله الصامت، وادبه الجم وتواضعه العجيب، وبعده عن النشاط العلني في تنظيم الاخوان، سببا في نجاته من هذه المعتقلات، خصوصا في عهد الثورة.
كتب الاستاذ انور الجندي في فترة المحنة في عهد عبدالناصر في بعض المجلات غير الاسلامية تراجم لقادة التحرر والثورة من ذوي التوجه الديني - امثال عمر المختار في ليبيا، وعبدالكريم الخطابي في المغرب، وذلك في مجلة (المجتمع العربي) المصرية في فترة الخمسينيات والستينيات. ويقول عن هذه الفترة: (لقد كان ايماني ان يكون هناك صوت متصل - وان لم يكن مرتفعا بالقدر الكافي - ليقول كلمة الاسلام- ولو تحت اي اسم آخر - ولم يكن مطلوبا من اصحاب الدعوات ان يصمتوا جميعا وراء الاسوار).