تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العصر): حارب الحجاج الخوارج، وحارب السبئيين، وحارب الباطنية، وحارب الزبيريين، وحارب الطامحين الذين رأوْا الفتن تنشب هنا وهناك؛ فسوّلت لهم أنفسهم أن يتطاولوا للخلافة، ولو أدى ذلك إلى تمزيق الأمة، إلى دويلات ماداموا ينالون حكم جزءٍ منها.

6 - من أجل هذه العداوة الشاملة للحجاج جاءت الأخبار والمبالغات، بل والافتراءات ضده من كل الإخباريين، فلا تجد إخباريًّا أو مؤرخًا إلا وله ثأر عند الحجاج.

7 - وظل هذا الطوفان من أخبار الحجاج يزداد، ويربو حتى حجب كل فضائل الحجاج ومآثره، سواء فضائله الشخصية أو أعماله ومآثره في غير مجال الحرب، وعن هذا وجدنا إمامًا جليلاً مثل الإمام الذهبي يقول في ترجمته: "وله حسناتٌ ولكنها مغمورة في بحر ذنوبه".

ولكن مع كل هذا يبقى عِلم أسلافنا الأولين أفضل وأقوم، فهو بين أيدينا بسنده، نعرف رواته، ونعرف الذين دوّنوه، فنستطيع - بشيء من الجهد - أن نصل - إلى حد كبير - إلى التمييز بين الصحيح والسقيم من الروايات، ونتحفظ على أهواء المؤرخين وانحيازهم.

ولكن الذي لا علاج له، أن يصل قلم أديب من أبناء عصرنا إلى أن يفسِّر أعمال الحجاج وقسوته مع ابن الزبير بأنه كان يسعى لمجد نفسه، وليرفع خسيسة أصله، ولينجو من وضاعته؛ حتى يصير جديرًا بإمارة من إمارات الدولة.

يفسِّر عمل الحجاج بهذا التفسير، فيتدسس إلى نفسه، ويصل إلى طويّته، ويدخل إلى قلبه، ويكشف نيته، ويصوّره بهذا السوء، ويعرضه على عامة الناس مجسَّدًا في شخص ممثل قدير، يؤكد هذه المعاني بملامح وجهه، وحركات يديه، ونظرات عينيه؛ فيرى الناس خبث الحجاج مجسدًا مشهودًا ناطقًا، لا يعنيه في سبيل الحصول على إمارة العراق أن يقتل ابن الزبير ومن معه، وأن يرمي البيت الحرام بالمنجنيق!!

ومتى يحدث هذا؟ في فجر الإسلام!! في خير القرون، في عصر الصحابة والتابعين.

إذا كنا قد فعلنا بأنفسنا هذا مبكرًا، فلا حرج على (بوش) أن يفعله الآن ومن أجل إمارة العراق أيضًا .. يا لَلْمفارقة!!

التاريخ يقول غير هذا

أعني أن التاريخ الصحيح نقلاً وعقلاً لا يقول: إن الحجاج كان خبيث النية، سيئ الطوية، قتل الزبير ومن معه، وضرب الكعبة بالمنجنيق من أجل أن ينال ولاية العراق.

نعم؛ لا يقول بذلك العقلُ ولا النقل، بل واقع الأمر أن عبد الله بن الزبير - رَضي الله عنه وعن والديه - دعا لنفسه بالخلافة، فبايعه من بايعه، وقعد عنه من قعد، وعارضه وقاومه عبد الملك بن مروان، الذي استتب له الأمر في عامة أرجاء الدولة الإسلامية، فكان لابد أن يقاتل ابن الزبير بصفته خارجًا على خليفة المسلمين.

ولسنا هنا لتقييم موقف كلٍّ من عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، ووزْن وتقدير حجج كل واحد منهما لنبين أيُّهما كان أحق بالخلافة.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤٥