وصحيح أن البشرية حين يطول عليه ا الأمد " تتعب " من الإيمان بما لا تدركه الحواس، وتتجه إلى المحسوس، فتنشئ آلهة محسوسة تعبدها من دون الله أو تعبدها مع الله، في صورة أوثان وأصنام، أو في صورة بشر، أو في صورة أفلاك .. وذلك لأن الإيمان بما لا تدركه الحواس يستلزم أن يكون الإنسان في وضعه الطبيعى – أو الفطرى – كما خلقه الله، تعمل كل أجهزته في وقت واحد، فتعمل أجهزة الإدراك الحسى جنبا إلى جنب مع أجهزة الإيمان المعنوى أو الإيمان بما ا تدركه الحواس، عملا فطريا طبيعيا متناسقا ينتج عنه الإيمان بالله عن طريق رؤية آياته في الكون، والإيمان به إيمانا مباشرا عن طريق الروح، فيعمق كل منهما الآخر فيصل اليد رجة إلى قين.
فإذا طال على البشرية الأمد يحدث " هبوط " في كيان الإنسان، يعطل أجهزة الإدراك المعنوى تعطيلا جزئيا أو كاملا، وتبقى أجهزة الإدراك الحسى هي التي تعمل، وعلى قدر الهبوط يكون نوع الشرك ودرجته .. فيظل صاحبه مؤمنا بالله ويشرك به آلهة محسوسة، أو يؤمن بالآلة ة المحسوسة وحدها من دون الله.
وصحيح أن البشرية في حالة هبوطها تجنح إلى ثقلة الأرض فتشدها الشهوات إلى أسفل، فتتفلت من تكإلى ف الدين والتزاماته. تتفلت من " قيد الإنسان " الذي تصاحبه " حرية الإنسان "، وتجنح إلى " حرية الحيوان " التي تصاحبها قيود الحيوان " " ولكنها – في مبدأ أمرها على الأقل – تحب أن تسند هذا التفلت بأمر شرعى!
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عليه ا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [سورة الأعراف 7/ 28]
ورويدا رويدا تحتاج إلى اختراع آلهة تسند إليها ذلك التفلت، من البشر أو غير البشر، تتخذ أربابا مع الله أو من دون الله:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)﴾ [سورة التوبة 9/ 31]
وصحيح أن الطغاة في الأرض يضيقون بالقيد الربانى الذي يجعلهم عبيدا لله ككل العبيد، خاضعين لأمره منفذين لشريعته، ويرى دون أن يكون لهم السلطان الطاغى في الأرض، ويرى دون أن يكون الولاء لهم لا لله. فيضيقون دائما بديانة التوحيد، وبإخلاص العبادة ه وحده، فيفرضون أنفسهم بالقوة الغاشمة وبالإرهاب أربابا من دونا لله أو مع الله، هم الذين يشرعون، وهم الذين يفرضون التشريع، وهم الذين يعاقبون " عبيدهم " إذا خرجوا على ذلك التشريع.
وفي هذه الحالات كلها يقع الشرك الذي تجنح إلى ه البشرية كلما ضلت الطريق. ولكنها في كل حالاتها السابقة لم تكن تنكر وجود الله.
وحتى فرعون حين قال لموسى عليه السلام ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)﴾ [سورة الشعراء 26/ 23]
وحين قال لهامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعلى أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [سورة غافر 40/ 36 - 37]
وحين قال لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرى﴾ [سورة القصص 28/ 38]
وحين قال قال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعلى (24)﴾ [سورة النازعات 79/ 24]