تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، ولم يكن يقصد أنه هو الآلة الخالق، والدليل على ذلك قول الملأمن قومه له:

﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف 7/ 127]

فقد كان له هو إله يعبده، هو الذي يؤمن بأنه خالق السماوات والأرض وخالق الكون كله " ". وعلى الرغم من أنه – كما سجلت الآثار الفرعونية – كان يدعى " الآلة ابن الآلة " وكانت تقدم له شعائر التعبد من ركوع وسجود كما كانت تقدم لقيصر وكسرى، إلا أن ألوهيته وبنوته للإله الأكبر كانت في حسه كما هي في حس " الجماهير " من قومه ألوهية مجازية لا حقيقية. وكان يقصد من أقواله لموسى وهامان ولقومه أمرين في آن واحد. الأمر الاول أن الآلة الذي يتحدث عنه موسى، ويقول إنه مرسل من عنده، ويعطى نفسه بناء على ذلك سلطانا يأمر به فرعون وينهاه، ويطلب منه أن يطلق سراح بنى إسرائيل. هذا الآلة الموجود حقيقة هو الآلة الذي يعبده هو وقومه، وينحتون له التماثيل ويرسمون له الرسوم، الآلة المحسوس الذي تعبده الجاهلية هبوطا منها عن الإيمان بما لا تدركه الحواس، والأمر الثانى – وهو مشتق من الأول – أنه يقول لقومه خاصة: ما علمت لكم من سلطة تأمر فتطاع إلا سلطتى، فأطيعونى ولا تطيعوا ذلك الخارج على سلطانى، الذي يزعم أنه صاحب الكلمة التي ينبغى أن تطاع!

وحتى النمرود حين حاج إبراهيم في ربه يرى نفسه ملكا ذا سلطان وإبراهيم فرد من أفراد " الشعب " لا يحق له أن يناقش صاحب السلطان ولا يامره ولا ينهاه .. لم يكن يعتقد أنه هو الآلة الخالق، إنما كان يصدر عن كبر أجوف بإزاء إبراهيم عليه السلام، ولكن في حماقة أشد من حماقة فرعون الذي كان يعلن على الملأ أن له إلها يعبده هو وقومه .. أما النمرود فقد جره الاستكبار على إبراهيم إلى الادعاء بأن له سلطانا في الأرض يشبه سلطان الله، وأنه – مثل االه – يحيى ويميت! حتى حاجه إبراهيم عليه السلام فأخرسه:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [سورة البقرة 2/ 258]

وهذا الشرك – الذي ينجم عن مثل الأسباب التي ذكرناها في الفقرة السابقة – هو الذي يبعث الرسل لتقويمه وتصحيحه، ويوقع الوحى الربانى على ذات الأوتار التي خلقها الله في الفطرة، وجعلها تعتز لإيقاعات الكون والحياة، فتستيقظ من غفلتها إن كانت غافلة، وتروح تبحث عن الله لتعبده وتخشاه.

فعن الكون بضخامته المعجزة ودقته المعجزة وما يحدث فيه من حركة معجزة يقول الوحى الربانى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)﴾ [سورة البقرة 2/ 164]

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤٤٠