عشرات من التساؤلات ومئات .. يرى د أن يعرفها " ليطمئن " ..
ويروح يستكنه الغيب فلا يقدر ..
لا غيب السنوات القادمة ولا الشهور ولا الأيام .. بل غيب الساعات القليلة القادمة .. بل غيب اللحظة المقدمة عليه، التي دخل أولها من الباب وما زال آخرها محجوبا بحجاب!
كيف يقدر والغيب وراء الأستار؟!
هل تنزاح الأستار؟!
يمضى الإنسان – في جاهليته – نحو الكاهن والعراف، يستلهمه أمر الغيب، ويتعلق بكل كلمة تخرج من شفتيه كأنها أسرار الغيب الحقيقى .. ولكن .. هل يستيقن؟ هل " يطمئن "؟
وحين يهتدى يعرف أن الكاهن والعراف والمنجم وضارب الرمل والشياطين والجن كلهم محجوبون مثله عن الغيب، فكيف عن لطب الغيب منهم، ولكن هل تغادره الرغبة في أن يعلم سر الغيب، ويطمئن على نفسه ومن يحبهم من حوله ويخاف عليه م؟
يروح يتلهم حسه الباطن .. ويستلهم الرؤى .. ويستلهم تلك القوة الخفية في نفسه التي تقدر على الاستشفاف .. ولكن هل يستيقن؟ هل " يطمئن "؟
كلا! إنه يشعر بالعجز الكامل عن النفاذ وراء الأستار، ويظل الغيب المحجوب ملفعا بالحجاب ..
عندئذ يتحول الحس إلى الكائن الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، لأنه هو العلى م بكل شئ، وهو خالق الأحداث والأشياء وكل شئ سائر بمشيئته وحده لا بمشيئة أحد سواه.
ويهتدى فيعرف أن الله الحق علام الغيوم، أو أو يضل فيظنه كائنا آخر .. ولكنه يعلم دائما أن أسرار الغيب مكشوفة للكائن العلوى الذي يخلق ويبدع وينتهي إلى ه مصير كل شئ، فيعبده لونا من العبادة، ويلتزم نحوه بلون من السلوك.
تلك بعض منافذ الفطرة التي تتلقى إيقاعات الكون والحياة، فتستيقظ من غفلتها إن كانت غافلة، فتروح تبحث عن الله سواء اهتدت إلى الله الحق أم ضلت في الطريق ..
لذلك فإن لفطرة دائما تعرف وجود الله، وتؤمن به في داخل أعماقها، وإن ضلت عن الهدى فتصورت الله على غير حقيقته أو أشركت به آلهة مزعومة ليس لها وجود.
أما أن تنكر الفطرة وجود الله أصلا، وتقول إن الخلق قد وجد بلا خالق .. فبدعة في الضلال غير مسبوقة في التاريخ.
صحيح أن الحس البشرى بحكم الإلف أو العادة يتبلد ..
يتبلد على المنظر المكرور فلا يعود يهزه كما هزه أول مرة. ويتبلد على المعنى المكرور أو الحدث المكرور فلا يعود يستجيش مشاعره كما استجاشها أول مرة. فيعيش في وسط الآيات غافلا عن دلالتها، ويموت قلبه فلا يتحرك لمعنى الألوهية كما ينبغى له أن يتحرك .. فيعيش كما تعيش السائمة:
﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)﴾ [سورة الأعراف 7/ 179]