(82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإلى هِ تُرْجَعُونَ (83)} [سورة يس 36/ 78 - 83]
﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ على أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (99)﴾ [سورة الإسراء 17/ 98 - 99]
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعلى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾ [سورة الروم 30/ 27]
والذين أطلق عليه م اسم " الدهريين " قوم ينكرون البعث إنكارا مطلقا، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أى لا توجد حياة أخرى بعدها. يموت منا من يموت ويحيا منا من يحيا، وما يهلكنا إلا مرور الزمن. فكلما مر الزمن ماتت نفوس .. ولكن لا بعث وراء ذلك ولا حياة. أما إنكارهم لوجود الله فاستدلال لا تدل عليه الآية دلالة صريحة ولا دلالة لازمة. والقوم إنما نسبوا إلى الدهر – أى إلى مرور الزمن – أنه هو الذي يهلكهم، ولكنهم لم يقولوا إن الدهر هو الذي خلقهم أو هو الذي منحهم الحياة. أى أنهم لم يتخذوه إلها بدلا من الله! وحتى لو فرضنا جدلا – بغير دليل يقينى – أنهم أنكروا وجود الله، فليس هناك من يقول إنهم كانوا كثرة يحسب لها حساب نولا إنهم كانوا هم الصورة الغالبة للجاهلية. أما إنكار وجود الله على النحو الذي تتبجح به الجاهلية المعاصرة، وبالسعة التي تمارس بها ذلك التبجح، فأمر غير مسبوق في تاريخ البشرية ..
ذلك ان الفكرة بذاتها تعرف وجود الله، وتتجه إلى ه اتجاها فطريا بالعبادة على نحو من الأنحاء .. ولو ضلت الطريق! ولم يكن الضلال الغالب على البشرية في جاهلياتها هو إنكار وجود الله، إنما كان الضلال الغالب هو الشرك، وتصور الله على غير حقيقته. فقد يتصورون أنه هو الشمس أو هو القمر أو هو النجم أو ما إلى ذلك من المخلوقات. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾ [سورة فصلت 41/ 37]
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49)﴾ [سورة النجم 53/ 49]
أو يتصورونه آلهة متعددة متعادلة في القوة والسطوة كإله الخير وإله الشر عند الفرس، يتنازعان أبدا ولا يغلب أحدهما الآخر، أو غير متعادلة كما كان الرومان والإغريق يؤمنون بوجود إله كبير هو رب الأرباب، ودونه آلهة شتى، وكما كان العرب في جاهليتهم يؤمنون بأن الله هو رب الأرباب الخالق الرازق المهيمن، وثمة آلهة أخرى يشاركونه في بعض الأمر فيعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفي:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي﴾ [سورة الزمر 39/ 3]
ولم يبعث الله رسولا ولا نبيا ليقول للناس إن هناك إلها، فالفطرة تعرف ذلك بغير رسول! ولا ليقول لهم إن هناك إلها فاعبدوه. فالفطرة تتجه بالعبادة تلقائيا إلى الآلة الذي تعتقد بوجوده بغير رسول! فقد أودع الله ذلك كله في الفطرة والبشر ما زالوا