تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبواب كل شئ " وهذا الجزء وحده من هذه السنة قد استغرق قرنين كاملين من الزمان، ولد فيه أفراد – بل أجيال – قضوا أعمارهم في هذه الحياة ورحلوا، ولما تتحقق بقية السنة المذكورة في الآية،" حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون "! بل توهم أناس في وقت من الأوقات أن هذه الأبواب المفتوحة ستظل مفتوحة إلى الآبد لا تغلق ولا تتهدم على أصحابها مهما ارتكبوا من آثام!

واليوم بدا مفكرو الغرب أنفسهم يدركون أن " حضارتهم " آيلة إلى الانهيار .. وبدأو ينذرون قومهم إذا استمروا في البعد عن " القيم الروحية" كما يسمونها

أن يصيبهم الدمار الذي أصاب أمما من قبلهم .. ولكن كم يستغرق ذلك من الزمان؟ جيلا أو اجيالا كما استغرق تحقيق الجزء الأول من سنة الله!

لذلك يوجه الله " العقل " أن تتدبر التاريخ! فالتاريخ هو المجال الواسع الذي تتحقق فيه السنن الربانية بأكملها، سواء منها ما يتحقق في عمر الفرد وما يتحقق في عمر الأجيال. والأغلب هو الأخير!

تدبر التاريخ إذن هو في الواقع تدبر السنن الربانية في واقعها التاريخي الذي يمتد خلال القرون، ورؤية الطريقة الواقعية التي تتحقق بها تلك السنن في حياة الأمم والأفراد، لتتحقق العبرة الكاملة في نفوس الناس، فيسايروا هذه السنن ولا يصادموها، ولا يقول قائل لنفسه – على سبيل المثال – ها أنذا قد عشت في المجتمع الفاسد عمري كله وشاركته الفساد فلا أنا أصابني الدمار ولا المجتمع الذي عشت فيه! ولا يقول قائل لنفسه لماذا أجهد نفس في تقويم المجتمع من انحرافه الخلقي أو الفكري أو الروحي .. ما دام هذا المجتمع يملك القوة العسكرية والقوة السياسية والقوة الاقتصادية التي تستند وتنعه من الدمار! ولا يقول قائل لنفسه: ما قيمة "القيم "؟ وما فائدة " الدين "؟ وما معني " الأخلاق "؟ إذا كان يمكن للمجتمع أن يعيش متماسكا قويا بغير ذلك كله عدة قرون؟

تلك عبرة دراسة التاريخ ..

إن التاريخ لا يدرس – من وجهة النظر الإسلامية – لتسجيل انتصارات الجيوش وانكساراتها، ونشاة الدولة وزوالها مجردة عن القيم المصاحبة لها، وعن مجري السنن الربانية فيها، إنما يدرس بادئ ذي بدء لتتبع حياة " الإنسان" في حالتيه: حالة الهدي وحالة الضلال، وما يجري خلال كل من الحإلى تين من أحداث، ونتائج تترتب على الأحداث، مضبوطة بالمعيار الذي لا يخطئ، معيار السنة الربانية الحتمية التحقيق.

و" الإنسان" ابتداء هو ذلك المخلوق الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ثم سواه ونفخ فيه من روحه، لا " الحيوان " الذي ابتدعه دارون، ولا " المادة" التي زعمها التفسير المادي للتاريخ .. ومقياس علوه وهبوطه ليس هو الانتاج المادي والعمارة المادية للأرض:

﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا﴾ [سورة الروم 30/ 9]

ولكنهم كانوا جاهلين، لأنهم رفضوا الهدي الرباني، وأصابهم في النهاية ما يصيب الجاهلية من الدمار، على الرغم من كل القوة التي يملكونها، ومن إثارة الأرض وعمارتها.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤١٧