فحين تسكت الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصبيها الفتنة ولا تصيب الذين ظلموا وحدهم، ولكن تصيب المجموع كله لتقصيرة في مقوم أصيل من مقومات الحياة الاجتماعية والسياسية
ولا تقتصر " التوعية " السياسية على قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما تتعداها إلى التوعية بالدور التاريخي والإنساني لهذه الأمة:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ على كُمْ شَهِيداً﴾ [سورة البقرة 2/ 143]
والتوعية بأعداء هذه الأمة، ومخططاتهم ضدها، وأهدافهم من هذه المخططات، وواجبهما إزاءهم، وطريقة التعامل معهم في السلم والحرب، وقضية الولاء ومع من يكون، وما حدوده وطبيعته .. إلخ .. مما لامجال لتفصيلة هنا، فله مباحثه الخاصة، وإنما نتحدث هنا عن دور " العقل " في كل ذلك .. ودوره هو تدبر السنن الربانية التي يتحصل منها الوعي الاجتماعي والوعي السياسي، وهو أمر واجب في الإسلام ليتم تنفيذ المنهج الرباني على وجه الصحيح.
خامسا: يوجه العقل إلى دراسة التاريخ
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)﴾ [سورة آل 3/ 137]
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفسهم يَظْلِمُونَ (9)﴾ [سورة الروم 30/ 9]
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾ [سورة الحج 22/ 46]
وواضح أن دراسة التاريخ المطلوب هي للعبرة لا للتسلية وتزجية الفراغ! ولكن ينبغي أن نعرف موطن العبرة من دراسة التاريخ
أن السنن الربانية التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، والتي يجري قدر الله بمقتضاها في حياة البشرية، والتي قلنا إن العقل البشري مدعو إلى تدبرها والتفكر فيا من أجل إقامة المجتمع الصالح القائم على المنهج الرباني .. هذه السنن – بطبيعتها – نادرا ما تتحقق بتمامها في داخل عمر الفرد المحدود، لأن السنن الاجتماعية بطبيعتها تستغرق اجيالا متوإلى ة حتى يتم التحول الاجتماعي سواء إلى الخير أو إلى الشر (فيما عدا القلة النادرة التي تقتضي حكمة الله فيها تحقيق سنة بكاملها في أمد قصير، تأييد لنبي أو تمكينا لجماعة مؤمنة، كما حدث مع الرسول صلي الله عليه م وسلم وبناء هذه الأمة الشامخة في سنوات قصار)
وأنظر مثلا إلى هذه السنة:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عليه مْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾ [سورة الأنعام 6/ 44]
فالجزء الأول من هذه السنة يمثل الواقع الأوروبي في وقته الحاضر .. نسوا ما ذكروا به، وكفروا وجحدوا، ففتح الله عليه م أبواب كل شئ، من قوة سياسية وقوة عسكرية وقوة علمية وقوة تكنولوجية وقوة اقتصادية .. وكل ما يمكن أن يدخل في "