ولكن العبرة في حياة " الإنسان " ليست بمجرد العمارة المادية للأرض، ولا مجرد الحصول على المتاع من أي لون ومن أي طريق إنما " الإنسان" خلق لشئ أرفع من ذلك وأسمي .. خلق لحمل " الأمانة" التي اشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ على السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [سورة الأحزاب 33/ 72]
وحمل الإمانة لا يتم بمجرد العمارة المادية ولا المتاع الحسي .. إنما يتم بإقامة ذلك كله على أساس من " القيم " .. والقيم الحقيقية هي التي حواها المنهج الرباني للحياة " وقد رأينا من دراستنا السابقة أن كل ما عداها زائف لا يلبث أن تعبث به الأعاصير " ومن ثم كان لابد من توجيه العقل أولا- والكيان الإنسان كله في الحقيقة – للتعرف على الله والإيمان به وطاعته، حتى إذا جاء العقل يتعرف على الكون، ويعمل على تسخير طاقاته في عمارة الأرض، كان مهتديا بالهدي الرباني، فأقام عمارة الأرض على أساس المنهج الرباني الذي به وحده تصلح الحياة.
وقد مر بنا في هذا الفصل وما قبله كيف صارت الأرض حين قامت عمارتها المادية على " قيم "أخرى غير القيم التي قررها الله وأمر بإقامتها في الأرض، وحاضر الجاهلية المعاصرة غني عن الإشارة وغني عن التعلى ق.
فتوجيه العقل – في الإسلام – إلى التعرف على السنن الكونية من أجل عمارة الأرض بعد توجيهه إلى الإيمان بالله، وهو المنهج الصحيح لتنشئة " الإنسان الصالح" الذي تسعى البشرية – نظريا – إلى تنشئة، ولكنها تخفق دائما حين تتنكب المنهج الرباني، وتنشئ من عندها مناهج تؤدي إلى البوار.
وإن كان لن من شئ نذكر به أو نعيد التذكير به في هذا المجال، فهو أن الأمة المسلمة –ب توجيه الإسلام –0 هي التي أنشأت المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي قامت عليه كل نهضة أوروبا العلمية فيما بعد، ولكنها تفردت في التاريخ بأنها هي التي أنشأت حضارة "إنسانية " حقيقية، تمثل " الإنسان " كل لا جانبا واحد من جوانبه، وتمثله متوازنا كما ينبغي للإنسان، لا العمل في الدنيا يشغله عن الآخرة، ولا المتاع الحسي يشغله عن المتاع الروحي المتمثل في العبادة، وفي الجهاد لإقامة الحق والعدل في الأرض، ولا رؤية الأسباب الظاهرة تفتنة عن السبب الحقيقي، ولا العلم يفتنه عن الدين .. إلى آخر تلك الانحرافات التي وقعت فيها الجاهلية الأوروبية حين رفضت الهدي الرباني وجعلت " عقلها" يرسم لها الطريق!
------
ثالثا: يوجه العقل في الإسلام إلى تدبر حكمة التشريع لإحسان تطبيقه، ومن أجل الاجتهاد فيما أذن الله فيها بالاجتهاد، وحقيقة إن هذا في الإسلام فرض كفاية لا فرض عين، لأنه لا يتيسر لكل الناس – وإن كانوا مؤمنين – إن يتفقهوا في أحكام الدين ـ، إنما الفقهاء لهم استعداد خاص، ويحتاجون إلى دربة خاصة لا تتاح لكل إنسان.