ولكن فرض الكفاية معناه أن يتخصص له فريق من الأمة – ممن يحملون الاستعداد وينالون الدربة – فيسقط التكليف عن الأخرى ن، فإن لم ينتدب له أحد من أفراد الأمة فهي كلها أثمة حتى تهيئ من يقوم عنها بهذا الأمر.
﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [سورة التوبة 9/ 122]
وأعمال العقل لتدبر حكمة التشريع أمر واضح الضرورة وواضح الحكمة فالتشريع أولا لا ينطبق انطباقا إلى ا على كل حالة من الحالات التي تقع بين البشر
إنما يحتاج الأمر إلى إعمال العقل لمعرفة الحكم الذي ينبغي تطبيقه في الحالة المعينة المعروضة للحكم، ولمعرفة الطريقة الصحيحة لتطبيقه.
ثم إن هذه التشريعة التي نزلت لتواكب حياة البشرية كلها منذ نزولها إلى قيام الساعة، قد روعي فيها أن تواجه الثابت والمتغير في حياة الناس
فأما الثابت – الذي لا يتغير، أو لا ينبغي أن يتغير لأن تغييره يحدث فسادا في الأرض – فقد أتت فيه الشريعة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بتفصيلات وافية تشمل الأصول والفروع والكليات والجزئيات.
وأما المتغير – الذي يجد في حياة الناس بحكم التفاعل الدائم بين العقل البشري والكون المادي وما ينشأ عن ذلك من علوم وتطبيقات وتحويرات في أنماط الحياة، والذي أذن الله فيه بالتغيير لأن ثباته يجمد الحياة ويوقف نموها – هذا المتغير لم تتناوله الشريعة بالتفصيل – بحكم تغييره الدائم – إنما وضعت له الأسس التي ينمو نموا سليما في داخل إطارها ن وتركت للعقل المؤمن المهتدي بالهدي الرباني، المتفقة في أمور الدين، أن يستنبط له من الأسس الثابتة ما يناسبه في كل طور من اطواره.
لذلك كان الفقة عملا دائم النمو لا يتفق، ولا يجوز له أن يتوقف .. لأنه إذا توقف فليس لذلك من نتيجة إلا أن تجمد الحياة أو تخرج من إطار الشريعة الربانية الحكيمة
ولقد قام العقل الإسلامي في ميدان الفقة في فترة نشاط هذه الأمة وحيويتها بجهد رائع، ما زال يعد تراثا إنسانيا ثمينا إلى هذه اللحظة، رغم ما أصاب الأجيال المتأخرة من الجمود، وما أصاب الأجيال الأخيرة من الإعراض!
والذي يطلع عليه ذا الفكر يدرك مدي شمول هذه الشريعة وحيويتها وقدرتها على مواكبة النمو البشري من جهة، ويدرك من جهة أخرى ما قام به العقل الإسلامي المفكر من فتوحات في هذا الباب، كانت كلها وليدة توجيهات الإسلام.
--------------
رابعا: ترد في كتاب الله مجموعة من السنن التي يجري الله بها قدرة في حياة البشر، وترد الإشارة المكررة بأن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير، ولا تتوقف محاباة لأحد من الخلق، ويوجه العقل إلى تدبر هذه السنن من أجل غقامة المجتمع الصالح الذي يتمشي مع مقتضياتها ولا يصادمها.
فالحياة البشرية ابتداء ليست فوضي بلا ضبابط. إنما يضبطها نظام رباني دقيق، يسير بحسب سنن ثابتة، ترتب نتائج محددة على السلوك البشري في جميع أحواله. ومن ثم يستطيع الإنسان أن يتبين السلوك الصائب الذي ينبغي أن يسلكه، كما يتبين