تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله الذي صفاته هي تلك التي عرفها العقل واستيقن منها لا يمكن – عقلا – إن يخلق شيئا عبثا، أوأن يخلق شيئا باطلا، إنما يخلق كل شئ بالحق، والحق يقتضي أن يكون هناك يوم يحاسب فيه الناس على ما عملوه في الحياة الدنيا، لأنه لا يتم الجزاء الحق في الحياة الدنيا كما يرى الإنسان بنفسه .. فكم من ظالم ظل يظلم حتى مات، وكم من مظلوم ظل مظلوما حتى مات. فلو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف فأين الحق؟ إنما يحق الحق حين يبعث الناس فيحاسبون على السيئة والحسنة، ويأخذ كل إنسان جزاءه بالحق ..

وإذا كان الأمر على هذه الصورة فإن " العقل " يقتضي أن يحسب الإنسان لهذا اليوم حسابه، وأن يعمل من الأعمال ما يقربه من لجنة ويبعده عن النار .. وألا تفتنة اللذة العاجلة عن النعيم المقيم.

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾ [سورة آل 3/ 185]

" كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور:

وهذا الأمور كلها يخاطب فيها الوجدان – مع العقل – لتتربت عليه ا حركة سلوكية واقعية، ولكن نصيب العقل فيها واضح لا يحتاج إلى تأكيد

ثانيا: يوجه العقل بعد ذلك إلى تدبير آيات الله في الكون للتعرف على أسراره. للتعرف على خواص ذلك الكون، لإمكان تسخيرها لعمارة الأرض.

والتسخير قائم من عند الله ابتداء:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية 45/ 13]

ولكن تحقيق هذا التسخير في عالم الواقع لا يتم بمجرد رغبة الإنسان في ذلك، فهو ليس إلها يقول للشئ كن فيكون، إنما يتحقق هذا التسخير بجهد معين يبذله الإنسان، جهد عقلي يتعرف به الإنسان على أساس الكون وخواصه، وجهد عضلي يطبق به الإنسان ثمار معرفته في صورة عمل منتج.

وكل ذلك يوجه العقل لآدائه. بل هو ميدانة الأصيل الذي تتجلي فيه كل عبقريته، والذي لا يشاركه فيه غيره. وليس معني ذلك أنه في هذا الميدان لا يخطئ ولايتوهم، فكثير ما يقع في الخطأ والوهم كما بين تاريخ العلوم، ولكن معناه أن لديه أوسع فرصة ليصل إلى الحقيقة فيما قدر الله أن يكشف له من أمور هذا الكون. ولكنه يوجه إلى ذلك بعد أن يوجه إلى التعرف على الخالق، وعلى كل قضايا العقيدة

ولذلك حكمة واضحة

فالعقل البشري ما لم يعوقه معوق – كما كان من أمر الكنيسة الأوروبية وحجرها على العقل أن يفكر – مفطور بطبعه على التفكير فيما حوله، واستنباط الطرق التي تحقق للإنسان حاجاته، ثم تحسينها ومحاولة الوصول بها إلى أقصى حد من الاتقان والفاعلى ة، من أجل الحصول على القدر من " المتاع" الذي قدره الله للإنسان في الأرض.

﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)﴾ [سورة البقرة 2/ 36]

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤١١