وقضية الكفر والإيمان – أو قضية الجاهلية والإسلام – هي دائما هذه القضية، مصحوبة – في الغالب – بقضية العبادة بمعنى أداء الشعائر التعبدية
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل 16/ 35]
فالأولى متعلقة بالألوهية: هل الله واحد أم آله شتي؟ فإذا كان واحد فمن حقه أن يعبد وحده، أي تقدم الشعائر التعبدية له وحده. والثانية متعلقة بخصيصة من خصائص الألوهية وهي الحاكمة: هل الله الذي يحكم، فيحل ويحرم، ويبيح ويمنع، أم له شركاء في التشريع، يقولون من عند أنفسهم: هذا حلال وهذا حرام، وهذا مباح وهذا غير مباح، بغير سلطان من الله؟ فما دام الله واحد في أولهيته، فالحاكمة – من ثم – له وحده لأنها خصيصة الألوهية
والإيمان هو التوحيد في هذه وتلك، والكفر هو الشرك في هذه أو تلك أو فيهما جميعا
وقضية الجاهلية دائما هي الاستكبار عن عبادة الله – سواء كانت العبادة هي أداء الشعائر التعبدية لله وحده، المترتب على الاعتقاد القلبي بوحدانية الله، أو كانت هي التحاكم إلى شريعة الله، المترتب كذلك على الاعتقاد القلبي بوحدانية الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [سورة غافر 40/ 56]
وفي الجاهليات القديمة كلها كان الناس يؤمنون بأن الله هو الخالق، ولكنهم يشركون معه إلهه أخرى يضفون عليه ا بعض صفات الألوهية. اما في قضية التشريع فكان كبراؤهم يتنكبون الطريق، فيعطون لأنفسم حقا من الحقوق المتعلقة بالألوهية – هو حق الحاكمية – فيشرعون بغير سلطان من الله، ويجعلون من أنفسهم أربابا مع الله. وأما المستضعفون فيخضعون لهؤلاء الأرباب المزيفين بحكم ما في أيديهم من السلطان القوي فيعطونهم حق التشريع، ويستعبدون أنفسهم لهم بالخضوع لما يشرعونه من تشريع ... فيشترك الذين استكبروا والذين استضعفوا في شرك العبادة، ثم ينقسمون بعد ذلك إلى سادة وعبيد. السادة يملكون ويحكمون، والعبيد لا يملكون ولا يحكمون .. إنما يقع عليه م الذل والهوان والضياع والبؤس كشأن كل جاهلية في الماضي .. وكل جاهلية أتية إلى قيام الساعة
أما الجاهلية المعاصرة فقد استكبرت استكبارا من نوع آخر فنفت وجود الله أصلا، وزعمت أن الطبيعة أو المادة هي الخالق الأزلي الأبدي ذو السلطان. ولكنها في قضية التشريع سارت على ذات النمط الذي سارت عليه كل جاهلية من قبل، فاستأثر بالتشريع ذوو السلطان، وخضع لهم العبيد، فاستوي بذلك عهد الرق وعهد الإقطاع وعهد الرأسمالية وعهد الشيوعية على خلاف في الصورة لا يقدم ولا يؤخر كثيرا في واقع الأمر
هذا هو الشق الأول من قضية التشريع المتعلق بمقام الألوهية. أما الشق الآخر فهو متعلق كذلك بقضية الألوهية ولكن من جانب آخر.
كان الشق الأول من القضية: من الذي يحق له أن يشرع، الخالق أم المخلوق؟ أما الشق الآخر فهو: من الذي يحق له أن يشرع، العلم الخبير أم الذين لا يعلمون؟