في واقع الأرض لعمارتها والهيمنة عليه ا والإنشاء والتغيير فيها بما يحقق معني الخلافة، وهو في الوقت ذاته محكوم " بالقيم " المرتبطة بيوم النشور، النابعة كلها من إخلاص العبادة لله، ونبذ الأرباب المزعومة كلها، المؤدية إلى عبادة الشيطان من سبله المتعددة:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام 6/ 153]
أما في الجاهلية المعاصرة فقد سارت الأمور في طريق آخر ..
ذلك أن أوروبا استنبتت المنهج التجريبي الذي أخذته من المسلمين، في أرض سبخة يملؤها العداء للدين والفرار من الله بدلا من الفرار إلى ه:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ ... ﴾ [سورة الذاريات 51/ 50 - 51]
وكانت النتيجة أن أصبح المنهج التجريبي فتنة لأوروبا، كلما فتح عينيها على مزيد من أسرار الكون زادوا بعدا عن الله! أو كما يقول جوليان هكسلي في كتابه " الإنسان في العالم الحديد " إن الإنسان كان يعبد الله من قبل في عصر العجز والجهل بسبب عجزه وجهله. أما الآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد ’ن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله .. ومن ثم يصبح هو الله!
ولم تكن الفتنة هي غرور الإنسان بنفسه وظنه أنه مستغن عن الله فحسب بل كانت بالإضاقة إلى ذلك قتنة بالعلم وبالمنهج التجريبي، فأصبحت التجربة الحسية المعملية هي " الميعار" الذي تقاس به " حقيقة " كل شئ، ويرد إلى ه " صدق " كل شئ! فما أمكن إثباته عن طريق التجربة المعملية فهو الموجود على الحقيقة، وهو الموثوق بصدقه، وما لا يمكن إثباته عن هذا الطريق فهو إما شئ لا وجود له وإما شئ ساقط من الحساب. ودخلت في هذا القبيل قضية الألوهية بكاملها، بكل ما حولها من وحي ورسل وكتب وبعث ونشور وحساب وجزاء .. أو باختصار: قضية الإيمان
وإذا كانت عقلانية عصر النهضة وما بعدها قد اغلقت كل منافذ المعرفة إلا العقل،/ ولكنها تركته يسرح حيث يشاء، ويشطح كيف يشاء، فإن " العقلانية التجريبية " التي سيطرت على الفكر الأوروبي منذ القرن التاسع عشر، قد اغفلت كل منافذ العقل إلا التجربة والحس! وتلك هي اللعنة التي نجا منها الفكر الإسلامي الأصيل وقت أن كان المسلمون مستقيمين على نهج الإسلام الصحيح.
لقد كانت المسلمون – كما بينا – هم الذين أنشأوا المنهج التجريبي في البحث العلمي. ولكنهم أدركوا - بداهة – أنه ليس كل شئ يدخل المعمل للتجربة! إنما الذي يصلح لذلك هو " المادة " والجسم " ولم يتوانوا هم في إدخال المادة والجسم معمل التجربة، فتقدمت الفيزياء والكيمياء والطب على أيديهم تقدما يعتبر بالنسبة إلى وقتهم فتوحات.
ولكنهم – فيما عدا القلة الشاذة التي تأثرت بالفكر الإغريقي – لم يغفلوا.