تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي ينبغي الرجوع إلى ه هو " الطبيعة " لأنها هي التي تنقش في العقل ما يتولد فيه من أفكار. فليس مصدر المعرفة إذا هو الوحي الرباني – وقد نبذوه وراءهم ظهريا سواء منه ما كان حقيقيا بلا تحريف، وما اخترعته الكنيسة من عندها، وقالت إنه من وحي الله – ولا هو العقل، الذي لا ينشئ – ولا ينبغي له أن ينشئ – شيئا من عنده – إنما هو الطبيعة: هو عالم الحس .. هو الحقيقية الموضوعية ..

يقول الدكتور محمد البهي في تلخيصه الجيد الذي نقلناه من قبل عن الفلسفة الوضعية وتقديرها للطبيعة

" ومعني تقديرها للطبيعة عليه ذا النحو أن الطبيعة – في نظرها – هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان، وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة، هي التي تكون عقل الإنسان، والإنسان – لهذا لا يملي عليه من خارج الطبيعة، أي لا يملي عليه مما وراءها، كما لا يملي عليه من ذاته الخاصة، إذ ما يأتي من ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليست (هي) حقيقة ايضا!

" وبناء على ذلك يكون " الدين" – وهو وحي (أي ما بعد الطبيعة) – خداعا! وهو وحي ذلك الموجود الذي لا يحده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية.

" وكذلك " المثإلى ة العقلية " وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي، إذ هي تصورات الإنسان من (عند) نفسه، من غير ان يستلم فيها الطبيعة المنثورة التي يعيش فيها وتدور حوله

" إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة – أي ما فيه من معرفة – وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، إنه مخلقو، ولكن خالقه الوجود الحسي

ولقد يفهم من هذا لأول وهلة أن العقلانية التي تتبعنا أطوارها في عصر النهضة وما بعدها قد انتهت وحل محلها طور جديد لا يمت لها بصلة .. ولكن هذا غير الواقع

لقد تغير الآلة المعبود عندهم بالفعل فلم يعد هو العقل، وإنما صار هو الطبيعة التي قال عنها دوران " الطبيعة تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق"

ولكن الآلة الجديد لم يقتل الآلة الأول، ولم يخرجه من الساحة ليحل محله، إنما قيده فقط بقيوده وأخضعه لشروط ه، وإن كان قد شد على يديه في حرارة مؤيدتا ومؤازرا في نقطة واحدة معينة هي نفي الآلة الحقيقي – سبحانه وتعإلى - واخراجه نهائيا من الساحة (نستغفر الله) وإن اختلفت زوايا الرصد واختلف " المنطق " المستخدم فالآلة الأول – العقل – ينبذه بحجة أنه " غير معقول"!! والآلة الثاني – الطبيعة – ينبذه لأنه لا يدرك بالحس ولا يخضع للتجربة في المعمل!! تعإلى الله عما يقولون علوا كيرا ..

إن المنهج التجريبي الذي تعلمته أوربا من المسلمين لم يؤث ثماره الظاهرة في ميدان العلم إلا في القرن التاسع عشر على وجه التقريب، ولكنه تحول عندهم إلى فتنة طاغية، لأن أوروبا أخذته دون أن تأخذ اقاعدة الإيمانية التي كان يقوم عليه ا عند المسلمين، وهي قاعدته الأصلية، فكأنه نبات انتزع من بيئته انتزاعا وغرس في

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٩٩