تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك لم يتصوروا في بلاهة أن الله عاجز عن التصرف في شئون الكون بمشيئته الطليقة لمجرد أنه ثبت سنته الجارية كما تصور نيوتن: " ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الآلة صانع هذه الساعة الضخمة الكونية الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله "!! ومن ثم لم ينكروا المعجزات كما أنكرتها عقلانية النهضة وما بعدها. إنما عرفوا أن الله سبحانه وتعإلى ثبت سنته – بمشيئته الطليقة – رحمة بالإنسان، وإعانة له على القيام بدور الخلافة. ولكنه سبحانه وتعإلى طليق المشيئة يصنع في هذا الكون ما يشاء، لا يقيد مشيئته شئ عي الإطلاق .. و ثبوت سنته الجارية فإن شاء سبحانه وتعإلى أن يغير شيئا من نظام الكون – لحكمه يرى دها ليظهر للناس معجزة من معجزاته، أو يغير نظام الكون كله يوم القيامة كما أخبر عباده في كتبه المنزلية، فلن يقف ثبوت السنة الجارية أمام مشيئة جل وعلا، إذا السنة الجارية من مشيئته، والسنة الخارقة من مشيئته، وهو سبحانه يستخدم هذه السنة أو تلك وقتما يشاء وكيفما يشاء لا قيد على مشيئته يمنعه من التصرف كيف يشاء.

و" المعجزة " كما نطلق عليه ا هي شئ خارق للسنة الجارية .. نعم .. ولكن " الإعجاز " في السنة الجارية هو الإعجاز في الخارقة. مصدرهما واحد وحوهرهما واحد .. هو القدرة الآلة ية التي لا يعجزها شئ في السموات ولا في الأرض .. وإلا فهل خلق الحياة من الموات – الذي هو في حسنا من السنة الجارية – أقل روعة أو أقل إعجازا من شق البحث بالعصا، أو وقف دوره الشمس لفترة من الوقت أو غير ذلك من المعجزات؟ وهل الذي يخلق الكون كله من العدم يعجز عن تصرف جزئ في هذا الكون تقتضيه حكمته سبحانه؟!

وكما لم تكن معرفة المسلمين المبكرة بالأسباب الظاهرة وثبوت السنة الجارية مانعا لهم من الإيمان بالمعجزات التي جاءت في الكتب المنزلة، كذلك لم يكن إيمانهم بالمعجزات داعيا إلى الخرافة، ولا الاعتقاد بأن الكون فوضي لا يضبطه ضابط ولا يربطه نظام و ط العلم " الذي أخرجوه هو البرهان على ذلك، فقد كان هذا العلم من الدقة والانضباط – بحسب المتاح في وقته من الأدوات – لدرجة شهد لها كل منصف في التاريخ وكله شاهد بأن المسلمين كانوا يتعاملون مع هذا الكون على أساس أن هناك نظاما دقيقا يربطه، نظاما من " الأسباب" و" النتائج " معجزة بدقته، رائع بانضباطه

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾ [سورة الملك 67/ 3]

إنما كانوا على " التوازن" الذي علمهم أياه الإسلام

أما " عقلانية " النهضة " وما بعدها فقد خرجت على الناس بأمور " غير معقولة ط على الإطلاق .. من نفي لوجود الله تارة، ومن إثبات له تارة أخرى مع نفي قدرته على التصرف، ومن جعل السبب الظاهر بديلا من السبب الحقيقي، ومن جعل ثبوت الاسباب الظاهرة حتميات تفرض نفسها على مشيئة الله!

ودار الزمن دورة أخرى فانتقلت أوروبا – فيما يقال – من سيادة العقل إلى سيادة الطبيعة، حين كشف العلم مزيدا من أسرار الكون واقتنع " المفكرون" أن الأصل

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٩٨