كل عبقريته العلمية تلك يقدم انتاجة العلمي باسم الله، ويحمد الله ويثني عليه ويشكره على فيض نعمة عليه!
كلا! لم يكن العلم عند المسلمين مثارا للفتنة، لأنهم صاحبوه عدة قرون على رزانة وروية، فلم يفاجئوا به كما فوجئت أوربا في عصر النهضة، ولأن نبع في حياتهم من نبع الدين فلم يثر بينه وبين الدين ذلك الخصام الذي ثار بين الدين والعلم في أوربا، ولأن المعرفة كلها في حس المسلم نفحة ربانية يفتح بها على عبادة، فيكون جزاؤها في حسه مزيدا من التقرب إلى الله، لا بعدا عنه وازورارا عن عبادته.
كذلك كان اكتشاف قانون السببية بالذات باعثا نم بواعث الإلحاد كما مر بنا من كلام " برنتون"
والمسئول في ذلك أيضا هو الكنيسة!
لقد ظلت الكنيسة تصرف الناس عن العلم عدة قرون، وتوحي إليهم الاكتفاء بما عندها من العلم، الذي لم يكن يتجاوز – كما قلنا – إن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة يعلمها ولغاية يرى دها .. أي ارجاع الأمور كلها والظواهر كلها إلى إرادة الله ومشيئة. ومن شأن الدين أن يركز دائما عليه ذا المعني، انظر إلى بعض ما جاء في القرآن الكريم في هذا الشأن.
" وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون "
" هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر. والنجوم مسخرات بأمره. أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ذرا لكم في الأرض مختلفا ألوانه. إن في ذلك لآية لقوم يذكرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وتري الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم. وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون، وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟ إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. إن الله لغفور رحيم "
وحكمة ذلك واضحة. . " فالدين " يذكر الإنسان دائما بالله لكي يظل قلبه معلقا بالله في جميع حالاته، فيحبه ويخشاه، ويتطلع إلى ه في كل أمر من أموره. وبهذا وحده تصلح نفس الإنسان وتستقيم .. ولإن الإنسان عرضه دائما أن ينسي فإن الدين الصحيح يلح في تذكيره حتى لا تدركه الغفلة التي ينشأ عنها كل شر في حياة البشر على الأرض.
ولكن هذا التركيز الشديد في الدين الصحيح على رد الأمور كلها إلى مشيئة الله، لم يمنع المسلمين من البحث عن " الأسباب الظاهرة " في الكون المادي وفي الحياة البشرية، بلا تعارض في حسهم بين هذا وذاك.