ذلك أن الدين الصحيح –وقد رد كل شئ بحق إلى مشيئة الله وقدرة - نبه البشر إلى أن هناك سننا كونية تعمل إرادة الله من خلالها في الكون المادي، كما أن هناك سننا أخرى تعمل تلك الإرادة من خلالها في الحياة البشرية، ودعاهم إلى التعرف على هذه وتلك، الأولى ليقوموا بتعمير الأرض – وهو جزء من مهمة " الخلافة "التي خلق الإنسان من أجلها – والأخرى لتكون هذه الخلافة راشدة حين يتم تعمير الأرض بمقتضي المنهج الرباني.
لقد ظل القرآن يلفت نظر الناس إلى آيات الله في الكون انتظامها ورتابتها ودقتها وانضباطها
﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عليه دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إلى نَا قَبْضاً يَسِيراً (46)﴾ [سورة الفرقان 25/ 45 - 46]
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أنفسهم وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعلى مِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)﴾ [سورة يس 36/ 33 - 40]
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21)﴾ [سورة الذاريات 51/ 20 - 21]
وفهم المسلمون من هذه التوجيهات المتكررة أن الله يدعوهم إلى التأمل في هذا الكون من حولهم، ليتعرفوا على قدرة الله القادرة التي لا يعجزها شئ، وليتعرفوا كذلك على السنن الربانية التي أودعها في هذا الكون، والطاقات التي سخرها لهم فيه ليقوموا بعمارة الأرض، ويبتغوا من فضل الله
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12)﴾ [سورة الإسراء 17/ 12]
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾ [سورة الملك 67/ 3]
ومن ثم انطلقوا " يدرسون " هذا الكون ويتعرفون على أسراره .. فتقدم العلم على أيديهم تقدما ضخما، في الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والطب وغيرها من العلوم النظرية والتجريبية .. وأكتشفوا –من بين ما اكتشفوا – أن هناك سببا لكل شئ يحدث في الكون المادي، من نور وظلام وكسوف وخسوف، ورياح ومطر، وجدب وخصب وزيادة ونقص .. إلخ
ولكن اكتشاف " السبب الظاهر " لم يكن فتنة لهم كما كان بالنسبة لنيوتن ومن بعده من " العلماء "!