تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الآلة كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليه ا. وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع او فائدة من الصلاة إلى الإلة صانع هذه الساعة الضخمة الكونية، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله "!!

ولنا وقفه عند هذه النصوص

إن الاتجاه الفكري النافر من الدين، المتجه إلى الالحاد، لم يكن رد فعل لخطأ واحد من اخطاء الكنيسة وهو الحجر على العقل خوفا من مناقشته " المسلمات "المفروضة، إنما كان في الحقيقة رد فعل أو نتيجة لأخطاء متعددة في وقت واحد .. فالجهالة العلمية التي عانتها أوروبا عدة قرون في ظل السيطرة الكنسية جعلت للعلم –حين بدأت أوربا تتعلم – فتنة ليست من طبيعته في الأحوال العادية وفي النفوس السوية، فضلا عن حرب الكنيسة للعلم والعلماء في عهد النهضة – باسم الدين – جعلت طريق البحث العلمي هو طريق معاداة الدين.

إن الدين والعلم كما بينا في فصل "العلمانية " ليسا ندين متنافرين متعاديين كل منهما يسعي للسيطرة على حساب الآخر ورغما عنه! فنزعة العبادة ونزعة المعرفة كلتاهما نزعة فطرية، والفطرة – في النفس السوية – لا يتنافر بعضها مع بعض، إنما تتعاون جوانبها المختلفة لبناء الشخصية السوية المتوازنة. وقد تختل الشخصية لزيادة او نقص في أحد الجوانب بالقياس إلى حدة المفروضة، وبالقياس إلى الجوانب الأخرى في النفس، ولكنها لا تختل قط من اجتماع جوانب الفطرة كلها في النفس، فهذا هو الأمر الطبيعي الذي لا تستقيم النفي بدونه، بل العكس هو الصحيح، تختل النفس خللا مؤكدا حين يزاح جانب من جوانب الفطرة أو يضمر ليحل محله جانب آخر.

وفي العالم الإسلامي الذي استقت أوربا العلم منه، كان هذا هو الأمر الواقع / كان الدين والعلم يعيشان معا متساندين متعاونين بلا تنازع ولا تنافر ولاخصام. بل كان العلم في حقيقة الأمر نابعا من العقدية منبثقا عنها، يعمل في خدمتها، ومع ذلك كان له ذلك المجال الواسع كله الذي يعمل فيه، والحرية التي يمارسها في البحث وتحصيل النتائج وتدوينها والثمار العملية المفيدة التي تقوم عليه ا نهضة علمية زاهرة.

ولم يكن للعلم في نفوس المسلمين فتنة!

لا هو فتنهم عن الدين، ولا صار في حسهم إلها مكان الله!

لانهم كانوا يتناولونه كما تتناوله الفطرة السوية، التي تأخذ حظها من العبادة كما تأخذ حظها من المعرفة العلمية، وتطلب هذه وتلك بلا تنافر بينهما ولا صدام!

وقد كان العالم الواحد – في كثير من الأحيان – عالما في الطب أو الفلك أو الرياضيات .. إلخ، وعالما بالعلوم الدينية في نفس الوقت، متبحرا في هذه وتلك، متوازنا في ذات الوقت، لا يصرفه الدين عن العلم ولا يصرفه العلم عن الدين

وكان الحسن بن الهيثم – على سبيل المثال – الذي ظلت أوربا تدرس نظرياته في علم الضوء (البصريات) إلى بداية القرن التاسع عشر لتوفقها وتقدمها الباهر، والذي أثبت ملاحظة كانت بالقياس إلى وقته من أعجب العجب، وهي انحناء الشعاع الضوئي عند ملامسته جسما منحنيا وعدم سيره في خط مستقيم - كان على

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٩٤