ومعنى هذا: أن العلمانية بوصفها نظاماً أو عقيدة، والعولمة بوصفها سياسة أو نظاماً أو توجهاً، يستحيل أن تنشأ وتنمو في المجتمعات الإسلامية ما لم تكن التربة خصبة لها، وكذلك ما لم تتوفر الأساليب والأدوات المتكاملة لإحداث الإخصاب المستمر لهذه التربة لكي تصبح حاضنة مناسبة لمفاهيم العلمانية والعولمة وأفكارهما وقيمهما ومعتقداتهما.
وهنا نتساءل: ما هو جوهر أخلاقيات وقيم ومعتقدات كلٍّ من العلمانية والعولمة؟
ودون الدخول في تفاصيل نكتفي فقط بالإشارة إلى التعاريف المستقرة لكل منهما:
\ العلمانية تعني الدنيوية أو اللادينية، وتقوم على العقل والعلم والمناهج والأدوات العقلانية التي تقف موقف التضاد مع كل ما هو دين أو عبادة أو روح، ولا يعتد بذلك (الدين، العبادة، الروح) أسساً للقيم أو الأخلاق أو التربية، ولا بد في العلمانية من استبعاد كل ذلك من السياسة والاقتصاد والاجتماع لإنشاء الحياة المعاصرة اللادينية!
\ والعولمة تقوم بهدم الحدود والفواصل وتوسيع فرص التجانس والتوحد بين شعوب العالم، وتهدف إلى إزالة الفوارق بين الأفراد، وتشمل مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والفن والثقافة، بما يؤدي إلى تعميق المجتمع المدني لحسم قضية الصراع الأيديولوجي بين الحضارات لتكون الهيمنة للثقافة الدولية وقيم المجتمع الدولي وأخلاقياته!
ونرى أن مجرد التدقيق الموضوعي المحايد لمضمون مفهومي العلمانية والعولمة يوضحان مدى الارتباط القوي بين نشأتهما وبقائهما، وبين تمييع الهوية الإسلامية وفقدانها؛ حيث يؤدي ذلك إلى تهيئة المجتمع الإسلامي لدخول العلمانية والترحيب بالعولمة ونموها؛ لأنه مع تمييع الهوية أو فقدانها يتعمق ضعف القيم والأخلاقيات اللازمة لرفع معنويات الفرد وزيادة فعاليته وتعميق إسهاماته في أسرته ومجتمعه وأمته أو انتفاؤها؛ هذا بجانب أن غياب الهوية يعمق الصراع النفسي لدى الفرد ويشتت توجهاته، ويجعله أسيراً للفردية والانعزالية والحيرة والتوتر الذي قد يوصله إلى الهزيمة النفسية أو الانفصام الشخصي أو ـ على الأقل ـ التبعية الكاملة لأي فكر علماني لا ديني.
وتتمثل خطورة الإفلاس في مجال الأخلاق والقيم وشيوع الانحلال بصورة تؤدي إلى الصدام الحتمي مع فطرة الإنسان، مما يؤدي في النهاية إلى إتلاف الخامة البشرية، والتي تؤدي في النهاية إلى سقوط حضارة الأمة وتعميق تبعيتها الثقافية والقيمية والأخلاقية، والتي تؤدي حتماً إلى التبعية الاقتصادية والسياسية لغيرها من الأمم العلمانية أو الرأسمالية، ويؤكد هذا المقارنة اليسيرة بين قدرة القارة الأوروبية بغيرها من حضارات دول العالم الثالث في مقاومة اتجاهات الهيمنة الأمريكية.
ولذا يمكن القول: إنه لا يمكن نجاح أي مشروع تنموي أصيل وحقيقي دون الحفاظ على هوية الأمة وقيمها ومبادئها وأخلاقها، وهذا ما يتنافى مع تطبيق العلمانية والارتباط بالعولمة الغربية في عالمنا الإسلامي.
مفهوم النمو الاقتصادي بين الوهم والحقيقة:
فإذا استعرضنا مفهوم النمو من منظور اقتصادي علمي بحت نجد أن هذا المفهوم يشير إلى تزايد نصيب الفرد في المتوسط من الدخل الكلي للمجتمع، أي أن النمو