تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

د. مصطفى محمود أبو بكر

من مظاهر التضليل ادعاء أن العولمة يقتصر مفهومها على البعد المكاني، وأنها لا تخرج عن كونها دعوة لرفع الحواجز المادية المكانية لكي تتداخل وتتفاعل العمليات والعلاقات بين المجتمعات، ومن مظاهر هذا التوجه أيضاً القول بأن العولمة هي مفهوم اقتصادي فقط يقوم على إلغاء الحواجز والقيود التي تقلل من حركة الأموال والاستثمارات والشركات بين دول العالم. والحقيقة أن إعلان المنتفعين ـ الخارجيين أو المحليين ـ من العولمة بأن هذه العولمة ليس لها بعد ثقافي أو قيمي أو أخلاقي ما هو إلا مجرد تكتيك مرحلي ينفُذون من خلاله إلى عقول البسطاء والعوام لتهيئتهم ذهنياً ونفسياً لقبول حتمية العولمة المعاصرة والتعايش معها.

ولكن الحقيقة أن كافة التجارب العملية والنظريات العلمية، فضلاً عن الممارسات الفعلية للدول الغربية وحكوماتها وشركاتها تؤكد على استحالة أن يسود مفهوم أو اتجاه اقتصادي معين ـ ومنها المفهوم والاتجاه الاقتصادي للعولمة المعاصرة ـ دون أن يتم تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي لنجاح هذا المفهوم أو الاتجاه الاقتصادي واستمراره؛ بل الأخطر من ذلك أن الأمر قد يتطلَّب استخدام التقدم العلمي والتقني والعسكري إذا تطلَّب الأمر لتوجيه الدول والحكومات وإجبارها على تهيئة مجتمعاتهم لقبول هذا المفهوم، أو الاتجاه الذي تقوم عليه العولمة المعاصرة. وأصحاب المصلحة في العولمة لا يشعرون بحرج في ممارسة تلك الضغوط؛ حيث يقومون بكل هذا تحت شعارات تحقيق «السلام الدولي» أو «التوازن العالمي» أو «الأمن القومي» أو لافتات «الشراكة» أو حماية «حقوق الملكية الفكرية» أو زعم «حماية حقوق الإنسان» أو «حماية الأقليات» أو «حقوق المرأة» أو بادعاء مقاومة «الإرهاب الدولي» أو مواجهة «التيار الأصولي».

وفي كل الأحوال لم يكن أمام أنصار العولمة المعاصرة والمستفيدين منها سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما:

إما الإعلان بأن العولمة لا دخل للدين فيها وأنه لا مجال للربط بين مفهوم العولمة ومتطلباتها وبين الدين؛ وعليه: فلا بد من إخراج الدين من مفهوم العولمة وتطبيقاتها، وبهذا الإعلان تكون العولمة هي العلمانية نفسها في حقيقتها، وهي بمثابة جسم قديم في ثوب جديد.

وإما الإعلان بضرورة استبعاد الدين من دائرة الاهتمام والتأثير ـ شأنه في ذلك شأن الشيوعية والاتجاهات الإلحادية الأخرى ـ، على اعتبار أن الإسلام هو العدوُّ الأول والحاجز المانع أمام انتشار العولمة الدولية وسيطرتها عامة والعولمة الأمريكية خاصة، ومن ثم يحرص أصحاب العولمة المعاصرة على تدمير التصور والاتجاه الإسلامي الصحيح مستخدمين في ذلك كل السبل والوسائل التي منها: طمس المفاهيم والتصورات الإسلامية الصحيحة، وتفتيت العمل الإسلامي، وتبنِّي التيارات غير الواعية أو غير المخلصة منها بديلاً للنموذج الإسلامي الصحيح.

وبناءاً عليه يتضح أن العلمانية باعتبارها ديناً هي البوابة الحقيقية التي تفتح المجتمعات الإسلامية وعقول أبنائها أمام العولمة المعاصرة.

ويمكن التدليل على ذلك بالاكتفاء بالإشارة إلى موقفين:

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٠٥