لجعل هذه العمارة المادية مستقيمة على المنهج الربانى، وتلك هى الخلافة الراشدة المطلوبة من الإنسان.
من أجل ذلك لا يوجد فى الدين الصحيح ولا فى الفطرة السوية تعارض ولا تنازع ولا خصومة بين الدين والعلم! إنما تعمل نزعة العبادة ونزعة المعرفة فى تناسق كامل فى النفس السوية دون قلق ولا حرج ولا تصادم ولا نزاع ..
وكذلك قامت الحركة العلمية الهائلة التى قامت فى العالم الإسلامى فى ظل العقيدة، بل بدافع من العقيدة! فمن المعلوم من التاريخ أن المسلمين لم يصبحوا أمة علم إلا بعد أن دخلوا فى الإسلام!
ولقد كان النموذج الإسلامى قائما حول أوروبا من الشرق والغرب والجنوب .. بل إن أوروبا لم تعرف العلم الحقيقى إلا حين أرسلت أبناءها يتعلمون فى مدارس المسلمين فى الأندلس والشمال الإفريقى وصقلية الإسلامية، فلئن كانت الكنيسة قد ارتكبت حماقتها بمعاداة العلم والعلماء، فلقد كان الحل هو نبذ دين الكنيسة الفاسد لا نبذ الدين كله، وقد رأوا نموذجا مفلحا ومثمرا منه فى العالم الإسلامى .. ولئن كانت " المكايدة " قد أصبحت هى العملة المتبادلة بين الكنيسة من جهة والعلماء من جهة، فلقد كان المقتضى السليم لذلك هو أن يرد العلماء للكنيسة إلهها الزئاف الذى تعذب العلماء باسمه وتطاردهم، ويفروا إلى الله الحق الذى وجدوه معبودا عند أولئك العلماء الأفذاذ الذين تتلمذوا عليهم وتعلموا العلم على أيديهم، والذى وجدوا العبادة الصحيحة له تخرج مثل هؤلاء الأفذاذ، وتتيح لهم حرية البحث العلمى بلا قيود.
ولكن رد الفعل للحماقة التى ارتكبتها الكنيسة كان حماقة جديدة ارتكبها " العلماء "!
لقد كانوا معذورين فى أن يتشككوا فى كل حرف تقوله الكنيسة وتزعم أنه من عند الله، وفى أن يبدأوا العلم كله من نقطة الصفر، ويجربوا لأنفسهم ليثبتوا .. فهذا على أى حال هو المنهج العلمى الصحيح الذى تعلموه على أيدى أساتذتهم المسلمين. وكلنهم غير معذورين حين تصل بهم حقائق العلم إلى رؤية القدرة المعجزة للخالق، فيلوون رؤوسهم فى كبر، أو يهزون أكتافهم فى استهتار " غير علمى "! ويقولون إنه ليس الله، ولكنه الطبيعة!
هنا الحماقة التى لا يبررها شئ .. لا الأمانة العلمية ولا الإنسانية الحقيقية للإنسان!
ولكن أوروبا بدأت من هذه الحماقة ثم لجت فيها إلى أبعد الحدود ..
مجرد ذكر اسم الله فى البحث العلمى يعتبر إفسادا للروح العلمية، ومبررا لطرح النتائج العلمية كلها ولو كانت كلها صحيحة بمقياس العلم ذاته الذى جعلوه إلها من دون الله!
بل مجرد الاعتقاد بوجود الله، وأنه هو خالق الخلق وخالق الكون كفيل بإخراج العالم من دائرة العلماء الذين يعتد بهم ويؤخذ بآرائهم ولو كانت آراؤه صحيحة بمقياس البحث العلمى، بل إنه يحيط ذلك العالم بالارتياب والشك فى كل ما يقول، ويجعله موضع الزراية من العلماء " الحقيقيين "! الذين لابد أن يكونوا ملحدين لتكون آراؤهم موضع التسليم!
أى زراية بالعلم ذاته تؤدى إليه هذه الحماقة؟!